نورالدين جرير.. مناضل ولد قاعديا 

نورالدين جرير

نورالدين جرير، اسم تردد داخل أسوار الجامعات في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي بشكل كبير، وحتى خارجها.

لم يكن جرير سوى واحد من أبرز وجوه الحركة الطلابية، و أحد قادة فصيل الطلبة القاعديين، الذي كانت بعض المواقع مرتبطة به، كما هو الشأن لموقع ظهر المهراز بفاس الذي انتمى إليه جرير.

عن هذه التجربة، وتجربة القمع الذي تعرض له على يد البوليس، وعلى يد قوى الإسلام السياسي التي مارست “القمع بالتدبير المفوض” على حد تعبيره، و تجربة السجن الذي أخذ منه سنوات من عمره، يتحدث جريد إلى بودكاست “عبد الخالق الحمدوشي” (AH Podcast).

من بوفكران إلى وزان

ولد نورالدين جرير، يوم 25 يونيو 1961 في بوفكران التابعة لإقليم مكناس، إنتقل بعدها رفقة والده الذي كان يعمل معلما إلى قصر السوق (الرشيدية حاليا)، و بوفكران مرة أخرى ثم وزان.

“تعليمي الابتدائي كان في مكناس بعد ذلك سأنتقل إلى وزان في 1970، هناك انهيت تعليمي الابتدائي والثانوي، حيث توجهت توجها أدبيا ودرست في ثانوية مولاي عبد الله الشريف” يقول جرير.

وأضاف “في هذه الفترة تعرفت على العمل الجمعوي، والبداية كانت مع الكشفية المغربية، وبعد الاحتكاك مع مجموعة من الأصدقاء في دار الشباب، و في جمعية النهضة الثقافية ونادي “اينشتاين” للسينما، توطدت العلاقات، وتفتحت الأعين على  الواقع الثقافي في البلاد ومن خلاله على الواقع السياسي.

أمام الوهج الثقافي الذي خلقته هذه الجمعية وغيرها من الجمعيات الثقافية الجادة، ما كان أمام السلطة من خيار سوى التضييق عليها.

الحرس الثقافي

حسب المناضل القاعدي، سخّرت الدولة لهذا الغرض ما سمي آنذاك من قبل القوى التقدمية  بـ”الحرس الثقافي”، ومعناه أنه لم يعد ممكنا لأية جمعية أن تنظم نشاطا ثقافيا، دون أن تقدم مضمون النشاط ومؤطريه و المسؤول عنه، إلى السلطات قبل 24 أو 72 ساعة حتى تتمكن من استغلال قاعة دار الشباب.

وأيضا لم يكن ممكنا تعليق مجلة حائطية في دار الشباب بدون تأشيرة مديرها “فكرنا حينها في خلق تنسيقيات بين الجمعيات الجادة لمواجهة هذا الحرس، وقبل ذلك كان التفكير في خلق روابط بين الجمعيات الثقافية على المستوى الوطني لكن السلطات كانت تتوخى استبعاد هذه الجمعيات من دور الشباب والتضييق عليها”.

وتطرق جرير في هذا السياق، إلى القمع الذي واجهته الجمعية وأعضائها خصوصا بعد أحداث 1984، والاعتقالات التي طالت أعضائها، وهو ما أثر على نشاط الجمعية.

الجامعة والفلسفة

بعد نيله للباكالوريا في العام 1985، وكما أقرانه من أبناء مدينة وزان، كانت الوجهة مدينة فاس لمتابعة التحصيل الجامعي في شعبة الفلسفة، التي كان يقبل عليها الكثيرون من أبناء جيله خاصة ممن كان يعمل الحس النقدي.

و بالموازاة مع هذه الشعبة خلقت الدولة شعبة الدراسات الإسلامية، لتقويض التوجه نحو دراسة الفلسفة، وبالرغم من ذلك كان هناك إقبال منقطع النظير على شعبة الفلسفة حسب جرير.

ويتذكر المتحدث نفسه، أن العمادة بعد تسجيلها لعدد من الطلبة في شعبة الفلسفة أغلقت باب التسجيل أمام الباقي، لكن تشبث الطلبة عن طريقة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ونضالهم على حق الطلبة في اختيار شعبتهم دفعها للتراجع عن ذلك القرار وتقبل جميع الطلبة.

مناضل قاعدي من الأول

جرير مناضل ولد قاعديا، هذا على الأرجح الوصف الذي يليق به، وهو ما يؤكده بنفسه، عندما تحدث عن فترة الانتماء إلى الطلبة القاعديين بجامعة فاس. إذ لم يقع عليه الالتباس كما يحدث للعديد من الوافدين الجدد على الجامعة، جراء التجاذبات الفصائلية.

“عندما وصلت للجامعة كنت قاعديا”، يقول قبل أن يضيف: “عندما وصلت اختياري كان واضحا ..وعندما كنت أدرس في الثانوي كنا نعرف من هو الاتحاد الاشتراكي، ومن هو التقدم والاشتراكية، ومن هي منظمة العمل الشعبي الديمقراطي، ومن هم القاعديين.. كنا نخوض بالنقاش السياسي مع الأحزاب والمكونات الموجودة في وزان، وكنا مطلعين على الانقسام الذي حدث في الاتحاد والذي أفرز الطليعة (الرفاق الشهداء) ..وبالتالي بعد فترة وجيزة من بلوغ الجامعة انخرطت تنظيميا في القاعديين”.

من هم القاعديين؟

في السياق كان لابد أن يسأل جريد، من هم القاعديين الذين يظهر كأنه انتمى اليهم بالفطرة، ليقول: بأن القاعديين هو فصيل سياسي طلابي، هو امتداد لتجربة الطلبة الجبهويين.

ولكن هي تجربة نقدية لتجربة الطلبة الجبهويين، و استمرار بشكل نقدي وقوفا عند الأخطاء وعند الرؤى التي كانت عند الطلبة الجبهويين، وبالتالي هي رؤية نقدية إيجابية ضمنت استمرار الإتحاد الوطني لطلبة المغرب كصوت بعد فشل المؤتمر 17 وبتواجد والتحام هذا الفصيل مع الجماهير الطلابية استطاع الإتحاد الوطني لطلبة المغرب أن يبقى واستطاع الصوت اليساري كذلك أن يسمع.

ظهر المهراز قاعدي

هل ارتبط موقع ظهر المهراز بنورالدين جرير؟، بالنسبة لهذا المناضل القاعدي فإن هذا توصيف قد يكون مبالغ فيه، ولكن يحاول أن يتحرر من طوق السؤال ويقول: “إن ظهر المهراز وجامعات أخرى في فترة من الفترات ارتبطت بالطلبة القاعديين”.

وفي هذا السياق يسرد جرير، كيف تكرس هذا الارتباط سواء على المستوى الشخصي أو التنظيمي، إذ التحق بالجامعة بعد اعتقالات انتفاضة 1984، وهي الاعتقالات التي شملت الطلبة أيضا.

يتحدث جرير أن “قوات القمع”، دخلت ليلا الحي الجامعي وحاصرته، حينها كان الحي مختلطا إناثا وذكورا، قبل أن يجلس البوليس وسطه وينادي على أسماء أعضاء التعاضد الذين سيعتقلون واحدا تلو الآخر.

وبالتالي أول لقاء له بالجامعة كان في ظل تكريس الحظر العملي على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ومن تجليات ذلك كذلك أن أية حلقية تنظم تفرق بالقوة و “الأواكس” يقفون على أبواب الكلية، و الوضع لم يكن عموما وضعا للتحصيل العلمي بقدر ما كان وضع يكتنفه القلق المستمر.

في السياق ذاته، يؤكد جرير أن فترة 1986 شهدت تصعيدا في القمع ضد الحركة الطلابية، وقامت الدولة بفرض خيار الحظر وهو ما وضع أي تجمع لعشرة أشخاص فقط معرض لتدخل البوليس.

من تجليات الوضع أيضا محاصرة الجامعات أو ما سماها بـ”العسكرة”، وهو ما صعب عملية الدراسة أو التحصيل داخل الكليات.

كاجابة على خيار الدولة لجأ رفقا جرير وفق إفادته، إلى استراتيجية تعطيل الدراسة والقيام بأشكال نضالية احتجاجية صامتة بالاضافة إلى أشكال أخرى دفع الدولة إلى تخفيف الحصار الأمني عن الكليات والأحياء الجامعية بشكل تدريجي.

ورغم ذلك خارج أسوار الجامعة يؤكد نفس المتحدث، كان البوليس العلني والسري يتصيد الطلبة الذين يعتقد أنهم يحركون الاحتجاجات.

ففي الدخول الجامعي لسنة 1986 حضر نحو خمسة طلبة الى “لاكرونومي”، و شاركوا في عملية “البيزوطاج”، عند عودتهم إلى الجامعة اعتقد البوليس انهم دينامو الاحتجاجات وتم الزج بهم في السجن لستة أشهر ولم يفلت منهم الا واحد.

يعني الآلة القمعية كانت همجية وما كان ممكن الا الجواب عليها بالانغراس الى جانب الجماهير الطلابية وبالتضحيات اليومية، والقاعديين ضحوا كثيرا وقدموا شهداء ومعتقلين على قضايا عادلة وبسيطة، وزج بهم في السجون بأحكام من 10 سنوات، “ولا اتحدث عن نفسي فقط، بل رفاق اخرين مثل الرفيق ابو علي اللي مشا حتى هو ب10 سنين كانهضر على الرفيق عوينتي الي مشا ب 7 سنين كانهضر على الرفاق آخرين اللي امشاو ب 5 سنين الرفاق أخذوا ثلاث سنين عامين” يضيف جرير.

قلعة محررة!

كثيرا ما تردد تعبير “القلعة المحررة”، في وصف بعض المواقع الجامعية، ولعل أبرز موقع ارتبط به هذا التوصيف هو موقع ظهر المهراز بفاس.

عن معنى ذلك يقول جرير أن أراء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، هي السائدة، بمعنى أن أن الطلبة داخل الحرم الجامعي كانوا يحسون بالحرية والحرمة، لكن ذلك كان مشروطا بعدم تجاوز الحرم الجامعي، بمعنى خارج الحرم الجامعي البوليس كان دائما بالمرصاد.

“خروجنا من الحي الجامعي كان يتم ليلا، ولم نكن نستخدم وسائل النقل” يقول جرير، الذي اثنى على ساكنة حي الليدو المتاخم للحي الجامعي الذي كان بالنسبة لهم حاضنة شعبية، على اعتبار ايضا الوضعية التي يعيشها سكان الحي.

الطرد من الكلية 

في يناير 1988 كانت قاد الطلبة مقاطعة للدروس في كليات الآداب والحقوق والعلوم، وعلى اثر هذه المقاطعة صدر قرار لوزارة التربية الوطنية لفصل 32 مناضل ومناضلة عن الدراسة، يعني طلب الطرد ديالنا بقرار وزاري.

قبل ذلك كانت هناك مقاطعة جزئية في كلية الآداب، على اثرها تقرر طرد 10 طلبة كنت ضمنهم الى جانب القائد الرمز ايت الجيد بنعيسى و ابو علي وحيمد المحجوبي، على اعتبار أننا نحن هم المسؤولين على هذه المقاطعة.

بعد الانخراط في احتجاجات وإضراب ومقاطعة شاملة للدراسة، خرجت لائحة الطرد التي تحدث عنها جريد، لكن بعد الإضراب الذي خاضه المطرودين و توقف الدراسة بشكل كامل سيفتح حوارا معهم ينتهي بارجاعهم الى مقاعد المدرجات.

وفي هذا السياق يسرد جريد واقعة قتل الطالبة زبيدة خليفة، والتي قتلت بالرصاص الحي في على خلفية الشكل النضالي الذي نظمه الطلبة القاعديين داخل الحي الجامعي، يوم 20 مارس 1948 تضامنا مع الشعب الفلسطيني.

وقال جريد الذي حمل “الشهيدة” بيديه أن دعم فلسطين بالنسبة للقاعديين هو موقف سياسي استراتيجي مرتبط بنضال الشعب المغربي ضد الاستبداد.

 مواجهة القاعديين بالتدبير المفوض

أمام استماتة الحركة الطلابية في الدفاع عن حرمة الجامعة والنضال من أجل مطالبها المادية والسياسية رغم القمع والاعتقالات، اختارت الدولة حسب جرير نهج أسلوب أخر، وبالتحديد توظيف قوى الإسلام السياسي لوقف المد الطلابي وشبه هذه العملية بعملية “التدبير المفوض” لقمع الفصائل اليسارية.

“مجزرة أكتوبر 1991”

قبل تاريخ 25 أكتوبر 1991، كل الإرهاصات والأحداث تشير بأن “هجوما” وشيكا سيحدث على طلبة فاس، فقبل هذا التاريخ استهدف الطلبة بتطوان ووجدة في هذه الأخيرة قُتل الطالب المعطي بوملي بوحشية.

في ليلة الهجوم بفاس، قام المهاجمون بمحاصرة الحي الجامعي قبل اقتحامه والاعتداء بوحشية على الطلبة بالضرب والتنكيل بواسطة الأسلحة البيضاء.

بالنسبة لجرير لم يكن الهجوم يتوخى فقط تصفية رموز الطلبة القاعديين، والذي كان في طليعتهم باعتباره الناطق باسمهم في الموقع المذكور، ولكن كان الهدف أيضا تشويه صورة النضال الطلابي من خلال تصوير الأمر صراع فصائل من داخل الجامعة، لتكون تدخلات قوى القمع في النهاية مبررة ومن باب استتباب الأمن.

بعد الاعتداء عليه والتنكيل به وتكسير عظامه وفكه السفلي، وجد جرير نفسه في السجن، على اعتبار أنه كان على قائمة المطلوبين أمنيا، وفي السجن وبالنظر لوضعه الصحي خاض معارك عدة الى جانب رفاقه في البداية لتمكينه من وسائل تتماشى مع وضعه الصحي الطارئ وبالخصوص صعوبة الأكل.

بعد العفو الذي شمل عدد من المعتقلين السياسيين في العام 1994، استثني جرير وبعض رفاقه من العفو، وبعد تنقيل من سجن لآخر فرض عبر معركة الأمعاء الفارغة التي دامت نحو أربعين يوما أعادته إلى سجن فاس الذي اختار أن ينهي فيه عقوبته وهو السجن الذي غادره في العام 1998.

أيت الجيد بنعيسى 

بالنسبة لجرير، كان أيت الجيد بن عيسى جزءا أساسيا من المسار النضالي للطلبة القاعديين، فبالرغم من غياب اسمه في بعض النقاشات المطروحة، فإن قضيته لا تزال راهنية وستظل وفق نفس المتحدث مادام ملفه لم تجلى فيه الحقيقة كاملة.

ايت الجيد بن عيسى الذي اغتيل في 25 فبراير 1993 على يد قوى الإسلام السياسي، مازالت قضيته والمحاكمات المرتبطة بها جارية وأشار إلى أنهم كرفاق الضحية وعائلته يستمرون في المطالبة بكشف الحقيقة كاملة حول هذه الجريمة.