إلياس العماري
بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وسقوط حكومة نجيب الله في كابول مطلع تسعينيات القرن الماضي، طُرحت آنذاك فكرة إنشاء وطن يأوي المقاتلين (المجاهدين) الذين التحقوا بأفغانستان من مختلف أنحاء العالم، من السعودية إلى المغرب، مرورًا بالعراق والجزائر، ومن المغرب إلى أمريكا، مرورًا بأوروبا وأمريكا اللاتينية.
تبلورت الفكرة بعد أن رفضت الدول التي ساهمت بشكل مباشر أو غضّت الطرف عن التحاق شبابها بـ”جهاديي أفغانستان” استقبالهم من جديد. وقد استُوحي هذا التصور من فكرة “الدولة الصهيونية” التي زرعتها بريطانيا والغرب في فلسطين منتصف القرن العشرين، تحت شعار “شعب بلا أرض وأرض بلا شعب”. وعلى المنوال نفسه، قيل إن “الجهاديين” أصبحوا شعبًا بلا وطن، في حين توجد أراضٍ كثيرة يمكن أن تكون موطنًا لهم.
اقترح “زعيم” التيار “الجهادي” المعاصر، أسامة بن لادن، توطين هؤلاء في أفغانستان، وموريتانيا، والسودان. أفغانستان، لكونهم تواجدوا فيها وقاتلوا فيها “العدو الملحد الكافر الشيوعي” نيابةً عن الغرب وحلفائه، من المسلمين وغيرهم. أما موريتانيا، فبسبب هشاشتها الاقتصادية العميقة، وافتقارها إلى البنية التحتية، ما سهّل تدخل بن لادن والسعودية في دعم مشاريع تنموية في العاصمة.
أما السودان، فقد دخل ضمن حسابات “الوطن البديل” للجهاديين لأسباب متعددة، أهمها الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب التي انتهت بانفصال الجنوب، وأيضًا بسبب وجود شخصية ذات علاقات قوية مع الغرب، وتحديدًا فرنسا، بريطانيا، والولايات المتحدة، إلى جانب السعودية، ألا وهو حسن الترابي، الزعيم الروحي للإخوان المسلمين في السودان، وعضو مجلسهم العالمي، والذي شهد على يده إسلام الرئيس العسكري جعفر النميري وإعلانه تطبيق الشريعة الإسلامية آنذاك، في مشهد يُعيد إلى الأذهان وصف ستالين للفاشية: دكتاتورية المال والمقدس حين يتحدان.
غير أن الأحداث المتلاحقة غيّرت المعطيات، من بينها نفاد صبر بن لادن، وانتقامه من الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، من خلال أحداث 11 شتنبر، وما تلاها من عمليات إرهابية طالت مصالح الغرب وحلفائه في مختلف الدول، ثم انفصال الجنوب عن الشمال في السودان، وانقلاب الأوضاع السياسية بطرد النميري من الحكم، بالإضافة إلى تحوّل موريتانيا نسبيًا إلى مسار ديمقراطي في اختيار حكامها. كل هذه المستجدات جعلت فكرة “الوطن البديل للجهاديين” في هذه الدول تتراجع أو تفقد جاذبيتها كخيار مطروح.
عند هذه النقطة، بدأت تظهر فكرة بديلة، يجري تداولها في صالونات مغلقة، وتتبادل بشأنها رسائل مشفّرة وسرّية بين مختلف الأطراف المعنية.
ما يدفع اليوم نحو تبني هذه الفكرة، هو العمل على ترسيخ أطروحة جديدة تقول بـ”دموية داعش وليونة القاعدة”، وهي فكرة سبق الإشارة إليها في مقالات سابقة. ووفق هذا التصور، تُعاد هيكلة العلاقة مع القاعدة، عبر تمكينها من السلطة في كل من أفغانستان وسوريا، بينما يستمر ملف المقاتلين الأجانب في العراق وسوريا دون حل، مع رفض دولهم الأصلية إعادتهم.
ولم يعد خافيًا أنه، منذ أكثر من خمس سنوات، تغيّر التعامل مع القاعدة، سواء في شمال أفريقيا أو في دول الساحل، فلم تعد تُعتبر كما في السابق، بل إن بعض الأصوات تقول اليوم إن القاعدة “راجعت نفسها”. القاعدة اليوم لم تعد ذلك العدو الأزلي، بل باتت – في عيون بعض القوى الغربية – أداة قابلة للتطويع. وكما قال إنجلز: حين يتحول الاستغلال إلى نمط حياة، يصبح الجلاد شريكًا في الحكم.
كل هذا يبدو أنه يمهّد لبناء وطن جديد للجهاديين من مختلف الجنسيات في منطقة الساحل، ليكون أداة عسكرية وسياسية وثقافية في يد الغرب وحلفائه، على غرار إسرائيل. بل إن هذا “الوطن” قد يتحول إلى ورم سرطاني أشد خطرًا وفتكًا من إسرائيل نفسها على أمن واستقرار المنطقة.
والحقيقة أن شعوب المنطقة وقادة دولها أمام مسؤولية تاريخية: اتخاذ القرار الصحيح قبل فوات الأوان.

