في عالم الموسيقى، ليست كل الألحان مجرد نغمات تُعزف، بل عبارة عن قصص حية تُوثق لحظات مفصلية من التاريخ، تروي معاناة الناس وآمالهم وأحلامهم، من هذا المنطلق، تبرز أغنية “حمّان يحلم” للفنان صلاح الطويل كإحدى الأعمال الموسيقية التي تسلط الضوء على مأساة إنسانية حقيقية شهدها حي “عين نقبي” في مدينة فاس، حيث تُخلّد قصة لم تُمح من ذاكرة الزمن.
تعود هذه الأغنية إلى الثمانينات، تحديدا في فترة حكم الملك الراحل الحسن الثاني، عندما تم هدم العديد من المنازل في حي “عين نقبي” بالجنانات، بشكل قسري، بعد منظرها الذي لم يرق للراحل الحسن الثاني أثناء مرور في الطريق إلى سيدي احرازم وتازة، فما كان بالسلطات الا أن أصدرت قرار الهدم وإزالة هذا الحي من الذاكرة الحية لسكانه، الذين رأوا بيوتهم تُسحب من تحتهم فجأة.
الحديث هنا في الاغنية عن “حمان”، أحد سكان الحي، الذي كان هو الآخر ضحية لهذه المأساة، كان “حمان” يشاهد بأم عينيه الجرافات وهي تدمر منزله، كما دُمّرت أحلامه ومستقبله، كلمات الأغنية تحكي عن هذا الألم، وعن حلم “حمان” بأن يرى ابنه يكبر ويحقق مستقبلا أفضل، “حمان زادلو الوليد، بالفرحة على قفاه تسيب”، هكذا تبدأ الأغنية، “خايل ولدو كبر وقرى، بدا يخدم ويجيب الكسْرَة” لتؤكد أن الحلم كان بسيطًا: أن يرى الابن يكبر، يتعلم، ويحقق أمال والده فيما يخلص هذا المقطع حال الأب حمان الحالم بمستقبل زاهد تم محوه في لحظات “مسكين حمان يحلم من يوم ولدتو المراة”.
ومع مرور الأيام، تصبح الأغنية أكثر من مجرد ذكرى، بل صرخة في وجه كل ما يعكس القسوة التي عاشها هؤلاء الناس، تقول الكلمات “حمان وحدو يقاسي ولا يوم قال أحا راسي”، وكأنها تعبير عن الوحدة العميقة والمرارة التي شعر بها “حمان”، وهو يرى كل شيء يتحطم أمامه، لكن ما يزيد من قسوة المأساة أن الحلم الذي كان يراوده في أن يرى ابنه يكبر ويعمل، تم محوه في لحظة، بعدما وجد “حمان” نفسه بلا مأوى.
ثم تأتي اللحظة الأكثر قسوة في القصة، وهي حين يعود ابن حمان من المدرسة ليجد كل شيء قد دُمّر، بما في ذلك منزلهم: “ولد حمان في العام السابع يوم من المدرسة راجع طلع على الدوار لقى التراكس منوضة الغبار”، يضيف صلاح الطويل في أغنيته “بوك طيحولو البراكة قالتها ميمتو وتباكا طاحت دمعة من عينيه لاح الشنطة من بين إيديه” لخصت هذه الكلمات الشعرية كيف تدمّرت الحياة في لحظة امام الابن، وكيف انتهشت الطفولة في طرفة عين، عندما يجد الطفل نفسه في مواجهة واقع مرير لم يكن مستعداً له.
الأغنية التي أُعيد نشرها مؤخراً على منصة يوتيوب لم تعد مجرد كلمات وألحان، فبعد مرور اربعين عاما لازالت تمثل وثيقة تذكر بكل ما فقده سكان حي “عين نقبي”، وكل الذين عايشوا أحداثا مشابهة في أماكن أخرى، فكل كلمة فيها تستحضر صورة الحي الذي كان مفعما بالحياة وفي لحظة أصبح مجرد ذكريات.

