ابتهال أبو السعد و مفهوم البرمجة من أجل الخير

ابتهال ابو السعد
تعرفت على ابتهال ابو السعد في صيف سنة 2018 خلال مشاركتي في مخيم للبرمجة بمدينة إفران. كانت هي قد انهت سنتها الأولى في دراسة علوم الحاسوب وعلم النفس بجامعة Harvard ومقبلة على السنة الثانية. في حين كنت أنا منقطعا عن الدراسة ومازلت اكتشف خياراتي في الحياة.
أخبرتها ممازحا أننا زملاء في الدراسة، فكلانا درس وحدة CS50 التي يقدمها البروفيسور David J. Malan، الفرق أنها تعلمت مباشرة من مدرجات الجامعة ودرست أنا عبر إحدى منصات التعليم عن بعد. أريتها الشهادة التي تحصلت عليها، فرحت كثيرا وحفزتني للاستمرار، بل وشجعتني على التقديم لجامعة هارفارد وشرحت لي طريقة التقديم والمراحل التي يجب أن أمر منها، ونصحتني بالجوانب التي علي أن أركز عليها. كان كلامها يبدوا لي ضربا من الخيال آنذاك.
قاطعتها، “لابد أنك من عائلة غنية كي تتحملي مصاريف الدراسة في هارفارد؟”. أجابتني: ” بالعكس، أنا من خلفية اقتصادية متوسطة الدخل، لكنني حصلت على منحة دراسية كاملة من الجامعة، منحة امتياز!”
لا أخفيكم أن ابتهال حينها حررت عقلي من كل القيود المادية والعوائق الذاتية، بل ورفعت سقف أحلامي وطموحي لمستوى آخر. وعمليا، فقد أرسلت لي بعدها ملفا يحتوي على عشرات الفرص والمنح في المغرب والخارج. إبتهال إنسانة طيبة، ودودة، وخدومة.
أتذكر جيدا أننا تحدثنا كثيرا عن مفهوم البرمجة من أجل الخير (Coding for Social Good). كنت غير مقنع بأطروحة أن التكنولوجيا يمكن أن توظف للخير، لأن هذا ليس هدفها الرئيسي، فشركات التكنولوجيا تهدف بالأساس لتحقيق الربح، ولا تهم الوسيلة المتبعة. كان لابتهال طرح مخالف، وهو أن التكنولوجيا إذا ما اقترنت مع الأخلاق (Ethics) فسنتمكن من خلق عالم أفضل وظروف عيش أحسن لنا ولغيرنا.
لم تحد ابتهال عن عهدها قيد أنملة، رغم أنها تخرجت من جامعة هارفارد وعملت لصالح عملاق التكنولوجيا “ميكروسوفت” موظفة في قسم الذكاء الاصطناعي، وهو حلم كل طموح. وضعت ابتهال مجدها الأكاديمي والمهني على المحك، واختارت أن تقول الحقيقة ما أن اكتشفت أن مجهودها قد يوظف في حرب الإبادة على غ*ة! انتفضت في وجه عملاق التكنولوجيا وأمام مدرائه التنفيذيين، بخطاب عفوي دام ل 40 ثانية فقط، فضحت خلاله ممارسات ميكروسوفت في توفير برامج ذكاء اصطناعي حربية لصالح الجيش الاسرائيلي.
حينما تقول ابتهال أن ميكروسوفت تطور وتبيع برمجيات حربية للجيش الإسرائيلي ومجتمع الاستخبارات الاسرائيلية (جهاز أمان، والموساد والشاباك)، فأنا أصدقها! والتقارير والدراسات المنشورة حديثا تأكد كلامها!
إسرائيل تستخدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل مكثف في حربها على غزة، مدعية أن هذه التكنولوجيا تساعدها على إصابة الأهداف العسكرية بدقة وتجنبها الخسائر المدنية والبشرية غير العسكرية، في حين أن الذكاء الاصطناعي قد عزز قدرتها الاستراتيجية والتكتيكية على التدمير الواسع والقتل الموسع النطاق، من خلال استعمال برامج مثل “Lavender” و “Where’s Daddy” التي زادت من قوتها التدميرية وسمحت لها بتوليد “بنك أهداف” يستهدف الPلسطينين بشكل جماعي دون أدنى تمييز بين المدني والعسكري. ولتعلموا أن هذه البرامج قد حددت 37 ألف هدف “مشروع” خلال الأسابيع الأولى من العدوان فقط. كنا شهودًا على النتائج… مدن تُسوى بالأرض، عائلات كاملة تُباد، وطفولة تُغتال تحت الركام.
هذا، وأن ازرا*يل تستخدم برامج التجسس وبرمجيات التعرف على الوجه من أجل مراقبة وتطويق تحركات الفلسطينيين في كل شبر من الأراضي المحتلة، وتثبيت نظام أبارتايد رقمي مرعب، حيث تتحكم البرمجيات في مجريات حياتك اليومية، سواء في القدس أو الضفة أو الداخل المحتل.
إلى كل الأصدقاء في العالم الذين يشتغلون في كبريات شركات التكنولوجيا، ويدرسون في أرقى الجامعات، احذروا من أن تكونوا شركاء في حرب الإبادة! حتى بصمتكم !
قد تخسر إبتهال ابو السعد وظيفتها ويتم متابعتها ومضايقتها، وربما قد تستقيل وتغادر من تلقاء نفسها. لكنها قد ربحت إنسانيتها، وهزت العالم بكلماتها.
سليمان الميموني