في ذكرى رحيل أحمد دحبور.. الشاعر العاشق الأبدي

أحمد دحبور
عبد المجيد المصدق
لن نذكرك كشخص رحل عنا، بل كرجل بذاكرة من فولاذ، كرجل أحاطه الشعر حتى غرق فيه وأغرقه في ذاته، كرجل نعتمد على ما كان يقول أكثر مما اعتمدنا على الموسوعات، سنعلم الأولاد في المدارس، أنه يمكن أن يكون هناك رجل يكتب الشعر والأغاني، وفي ذات الوقت يجلس مختارا في زاوية بعيدة، حتى لا يكاد ينتبه لوجوده أحد، كانت قوة حضور الشعر فيك مذهلة، ببساطة لأننا حين كنا نراك أو نسمع اسمك أو نقرأه، فأول ما يخطر ببالنا هو أنك شاعر، لم نتخيلك يوماً تمارس شيئاً آخر في الحياة غير ذلك، ونعتبرك أهم مؤسسي المشهد الفلسطيني في مجال الشعر الحديث.
سنحدث الأولاد عن صورة “الصبرة” المبروزة خلفك في مكتبك بغزة العزة التي تتعرض الان للإبادة الجماعية، تلك الصبرة الخضراء التي ينبت منها “كوز” ناضج، ورغم كل اللوحات التي أهداك إياها الفنانون التشكيليون من كل مكان في العالم، لم تنتزع الصبرة عن حائط مكتبك، بقيت هناك ربما إلى الآن.
سنحدثهم عن وفائك لأصدقائك، سواء أولئك الذين رحلوا، أو من هم على قيد الحياة، عن صورهم التي كنت تضعها في إطارات ساذجة على رفوف مكتبتك، مثل صورة خالد أبو خالد مثلاً، ورشاد أبو شاور، وعن إعجابك بموريس قبق الذي ما كنا نعرفه لولاك، وعن علاقاتك بالشعراء الذين كتبت عنهم، من أصغر ولد بيننا، إلى أكبر شاعر اسماً وعمراً، فلم تكتب عن شخص يوماً إلا وكان لك جزء شخصي في الكتابة، وهذا ما جعل كتاباتك أكثر حميمية من كتابات الآخرين.
سأحدثهم عن إعجابك بميخائيل نعيمة، حين كان كل أقرانك معجبين بجبران خليل جبران، عن قراءاتك ونصائحك للقراء، سأحدثهم عن محاولاتك للرسم، وأقول لهم إن معظم الأغلفة التي كانت ترافق مقالاتك هي من خطوط يدك التي تبدو كخطوط يد طفل ما زال يلعب على ساحل حيفا.
سأحدثهم عنك حين جاءك الخبر بأنك حصلت على تصريح استثنائي مؤقت لزيارة حيفا للمرة الأولى مند النكبة، كم يبدو وصفك صعباً، كيف كدت أن تنهار وفقدت القدرة على النطق لدقائق، كنت تحاول أن تصيغ مشاعرك في جملة وفشلت، لأول وآخر مرة نراك تفشل في صياغة مشاعرك في جملة، كانت حيفا أكبر من الجمل وأكبر من التعبير عنها، وعندما زرتها قلت عبارتك المذهلة: رجعت إلى حيفا ولم أعد إليها، ذهبت اليها كأنك في حلم تمشي بين بيوتٍ شيدتها في مخيلة ذاكرتك أهلك وحكاياتهم، وزرت البيت الذي ولدت فيه، وعدت تردّد شعرك “كل حيّ وله حيفاه، إلا أنت دون حيفا”.
سأحدثهم عن فلسطينك التي تبدأ من الناقورة شمالاً حتى أم الرشراش جنوباً، ومن البحر الأبيض غرباً إلى حدود الأردن شرقاً،سأحدثهم كيف اخترعتَ جملتك التي صارت شعاراً: عدنا إلى الجزء المتاح لنا من الوطن، لم تقل يوماً عدنا إلى الوطن.سأحدثهم عن أشياء كثيرة، عن حبك للغناء،عن قبولك الدعوات الثقافية دون استثناء،عن رضاك الهائل وعدم احتجاجك على ما يحاك ضدك، يا الله كم كنت مسالماً إلى حد الوجع، وكم كبرت وكم صغر أولئك الذين لم يعرفوا من أنت… هم الآن أصغر بكثير يا صاحبي، لذلك فأنت لا تراهم.سأحدثهم وأقول لهم بكل فخر وتعالٍ يليق بك:هدا شاعر المخيم…اد انه بعد سنتين من ولادتك بمدينة حيفا، لجأت بعد النكبة مع عائلتك إلى لبنان،ومنها إلى سوريا، حيث استقر بك المقام في مخيم النيرب للاجئين،وعشت فيه21 سنة..
احمد دحبور (أبريل 1946- 8 ابريل2017 ) من ينابيع الشعر الفلسطيني المعاصر المقاوم وأحد أعمدة الحركة الثقافية الفلسطينية الراهنة، فهو شاعر وناقد وباحث وموسوعي وقارئ جاد وسياسي ومثقف واسع الإطلاع، وصاحب مواقف سياسية وفكرية تقدمية واضحة.
عاصر المأساة الفلسطينية وعاش رحلة العذاب والتشرد الفلسطيني بكل خلجة شعورية من خلجات قلبه،وتقطع ألماً ومرارة، ونما في داخله الشعور الوطني والروح القتالية، فأسهم بقلمه وفكره في النضال الوطني التحرري وفي الثورة الفلسطينية، وشكلت قصائده سلاحاً ثورياً وزاداً روحياً للمقاتلين والمدافعين عن أشرف وأقدس قضية. التحق بالثورة الفلسطينية مبكرا، وعمل صحفيا عسكريا،وكان ذا بصمة نقدية.
هجر من حيفا طفلا، فعاد اليها من المخيم بعد أن رأى في الثورة طريقه الى فلسطين،وبعد ان مشى على الماء دهرا من الحنين، وعاد اليها طائرا سائحا مذبوحا يطلب قاتله وهو يشدو، هو الذي رأى “النوق في واد الغضا تذبح”..و “الفارس العربي يسأل كسرة خبز من طحين ولا ينجح” ..!
أحمد دحبور يكتب ليس حباً في الكتابة فحسب وإنما يؤمن بالكتابة كرسالة وإلتزام للدفاع والذود عن قضايا شعبه الوطنية والطبقية، وسلاح ثقافي بتار في معارك التحرير والإستقلال، وهو كشاعر ثوري وتقدمي ملتزم يرى في القصيدة جسداً كاملاً ومزيجاً بين لغة الحلم ولغة الواقع.
دحبور العارف بشؤون الورد الذي لا يجرح، وشؤون الحلم في دروب الوطن، وشؤون الروح في براري الحب، الولد الفلسطيني الذي راح يروي حكايته، وهو يطل “بطائر الوحدات” على “سهول القش والطين” والذي ابكاه “الدم المهدور في غير الميادين”..
وفي أشعاره يبرز أحمد دحبور بطاقة هوية انتمائه الطبقي والإنساني والحزبي وانتصاره للفقراء والجماهير الكادحة فيقول:
“يجيء المخيم في أول الليل أو آخر الليل
أين التقيتك منة قبل سيدتي
أين الأهل ؟
فلسطين قائمة ما أقامت فلسطين
والفقراء فلسطين
والأنبياء فلسطين
والمقبلون
وانفقت حزني على الذكريات فضاق المخيم
وسعت بقلبي فجاءت قوافل مسبية تترسم دربي
وأطلب يحيى
فيختلط الحزن بالبرق
أين التقيتك من قبل سيدتي
فضت عن حاجة الحزن
فأتسعت في الخلية عيناي
حزب محبي فلسطين والكرة البشرية
باللهجة العربية
هل كنت في ذلك العرس سيدتي؟
آن للمخيم الهوان أن يغور
آن للأرض التي ضبتها تموت أن تدور
آن لي..وآن..
هكذا انتزعت بندقية من أسرها
فأنتزعتني من مخيم الهوان
من رآني سيداً لغبطتي وقهري.”
وفي قصائده تمتزج الموسيقى الهادئة مع الألفاظ المنتقاة والمعاني العميقة والمنسابة، اشتهرت كثير من قصائد دحبور بعد غنائها من قبل مجموعات فلسطينية، أبرزها مجموعة العاشقين ومن بين تلك الأغاني “اشهد يا عالم”، و”عوفر والمسكوبية”، و”والله لأزرعك بالدار”، و”يا بنت قولي لأمك”، و”غزة والضفة”، و”صبرا وشاتيلا”.
دحبور ليس واحدا من عمالقة الأدب والإبداع الفلسطيني فقط، بل بوصلة كانت حتى اللحظات الأخيرة تؤشر إلى فلسطين، وأيقونة لطالما كانت ملهمة للكثير من أبناء شعبه في مختلف أماكن إقامتهم، وفي مختلف المفاصل التاريخية الوطنية.
نظم دحبور الشعر مبكراً، وأصدر مجموعته الشعرية الأولى “الضواري وعيون الأطفال” ثم مجموعته الثانية”حكاية الولد الفلسطيني”التي كانت المحطة الأبرز في حياته ومن خلالها بدأ واضحا انحيازه السياسي للثورة الفلسطينية، وجسدت الحالة الفلسطينية في مخيمات اللجوء والتشرد. وكرّس حياته للتعبير عن التجربة الفلسطينية المريرة؛ فقد عمل محررا سياسيا في “وكالة وفا” فرع سوريا، ومحررا أدبي،ثم مديرا عاما لدائرة الثقافة بمنظمة التحرير الفلسطينية،ورئيس تحرير مجلة “بيادر” التي كانت تصدرها الدائرة.
وعن الحالة الفلسطينية في أشعاره، قال دحبور في تصريح له “إنني فتحت عيوني على النكبة،لذلك أصبح السؤال الوطني في قصائدي سؤالا وجوديا،وفي عيد ميلادي الثاني،لم يشعل لي أهلي شمعتين، بل حملوني وهاجروا من حيفا الى المجهول..”
تميز بثقافته العالية العميقة،رغم أنه لم يستمر في التعليم الأكاديمي، وتميز أيضا بجهده النقدي المهم.
ومن لم يشاهد مسلسل عز الدين القسام (هيثم حقي-1981) الذي كتبه، لا بد أن يكون قد سمع أغانيه الوطنية التراثية ذات الهوية الفلسطينية الثورية، مثل: أبو ابراهيم ودّع عزالدين. من سجن عكا طلعت جنازة. يا ويل ويلكم من الشعب. هدّى البلبل ع الرمان. هذا هو قدر الإنسان. يا حلالي ويا مالي..
إنه شاعر المخيم وحكاية الولد الفلسطيني، الذي كتب تفاصيل الثورة وعايشها بشعره وأغانيه التي لامست قلوب العاشقين لفلسطين وقضيتها،وكاتب المسرحيات الوطنية…
وعندما رحل دحبور فقدت فلسطين ليس واحدا من عمالقة الأدب والإبداع الفلسطيني فقط، بل بوصلة كانت حتى اللحظات الأخيرة تؤشر إلى فلسطين، وأيقونة لطالما كانت ملهمة للكثير من أبناء شعبه في مختلف أماكن إقامتهم، وفي مختلف المفاصل التاريخية الوطنية..
من أبرز الدواوين الشعرية لدحبور “العودة إلى كربلاء”، و”شهادة بالأصابع الخمسة”، و”طائر الوحدات”و “هكذا بيروت”، و”كسور شعرية”، و”بغير هذا جئت”، و”واحد وعشرون بحرا” ،و”ديوان أحمد دحبور”، إضافة إلى عدد من الأعمال النثرية…
ها نحن نتذكرك ونشاهد في نفس الوقت المخيمات تقصف وتدمر،
من بيت لاهيا إلى رفح، ومن مواصي خان يونس إلى جنين وطولكرم ونابلس ورام الله حيث الحثالة من ذوي القربى اصبحوا عملاء، والشعراء توقفت قريحتهم عن تصوير الإبادة في غزة العزة..