قدم المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، خلال جلسة استماع عقدتها لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب، مخرجات رأيه حول مشروع القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، حيث عبّر المجلس، في هذا السياق، عن تخوّفاته من أن تؤدي التعديلات المجزأة إلى غياب الانسجام بين النصوص القانونية، بل وقد تنجم عنها تناقضات وغموض يضرّان بجودة التشريع وفعاليته.
وفي مداخلة له بالمناسبة، أوضح رئيس المجلس، عبد القادر أعمارة، أن المشروع المعروض للنقاش يندرج ضمن ورش إصلاح منظومة العدالة، الذي يحظى بعناية ملكية موصولة، بالنظر إلى دوره المحوري في صون الحقوق والحريات وتعزيز دعائم دولة القانون والمؤسسات، وأشار إلى أن هذا المشروع يُعد خطوة نوعية نحو مواءمة المنظومة القانونية الوطنية مع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة، لكنه يظل، بحسب تعبيره، خطوة ناقصة ما لم تُدرج في إطار إصلاح شامل ومتكامل.
وأكد المجلس، من خلال المذكرة التي قدّمها، أن التعديلات المقترحة طالت حوالي 56 في المائة من القانون الحالي، ما يبرز الحاجة إلى إعداد نص جديد ومتكامل عوض الاقتصار على التغيير الجزئي. واعتبر أن مراجعة قانون المسطرة الجنائية لن تحقق أهدافها إلا إذا جاءت في تساوق مع مراجعة القانون الجنائي نفسه، في إطار إصلاح شامل لمنظومة العدالة، مدعوم ببرمجة زمنية واضحة، وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية الضرورية.
ومن أبرز التوصيات التي شدد عليها المجلس، ضرورة التطبيق الصارم والممنهج لمبدأ قرينة البراءة، مع الحرص على احترام حقوق المواطنات والمواطنين، وصون كرامتهم في كافة مراحل المسار القضائي. كما دعا إلى تعزيز مقاربة النوع، من خلال سن بروتوكولات خاصة بجرائم العنف القائم على النوع، لضمان حماية فعالة للنساء.
وتطرّق المجلس إلى أهمية حماية حقوق الطفل في المسطرة الجنائية، داعياً إلى انسجام مقتضيات القانون مع الدستور والاتفاقيات الدولية، والعمل على إشراك الأسرة والمؤسسات التربوية والمساعدة الاجتماعية في عمليات إعادة الإدماج، وتوفير مراكز متخصصة لإيواء وتكوين الأحداث الجانحين.
ولم يغفل المجلس ضرورة تسريع التحول الرقمي في مجال العدالة، عبر رقمنة الإجراءات القضائية، وتسهيل تبادل الوثائق، واعتماد وسائل رقمية لتحديد الاستحقاق في الاستفادة من المساعدة القضائية، خصوصاً لفائدة الأشخاص محدودي الدخل.
وبالرغم من تركيز المجلس على مراجعة النصوص القانونية، فقد أبرز أيضاً عدداً من الإشكاليات العملية التي تعيق العدالة، من أبرزها النقص الحاد في عدد القضاة مقارنة مع الكم الهائل من القضايا المعروضة، داعياً إلى اتخاذ تدابير استعجالية لسد هذا العجز. كما أوصى بتكوين القضاة على استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث القانونية وصياغة الأحكام، في إطار الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا داخل منظومة العدالة.
وفي جانب آخر، دعا المجلس إلى تعزيز فعالية التصدي للجرائم البيئية، من خلال إلزام مختلف المتدخلين بتبليغ النيابة العامة عن كل الأفعال التي تمسّ بالبيئة، وتنسيق الإجراءات القانونية في هذا المجال.
أما فيما يخص مكافحة الفساد وحماية المال العام، فقد أوصى المجلس بالإبقاء على حق الأفراد وهيئات المجتمع المدني في التبليغ عن الجرائم المالية، مع تحصين هذا الحق من أي استغلال مسيء، وتفعيل الآليات القانونية الكفيلة باستقبال الشكايات وإحالتها على الجهات القضائية المختصة، على غرار الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها.
وفي ختام رأيه، شدد المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على أن أي إصلاح فعلي للمسطرة الجنائية يجب أن يندرج ضمن رؤية جنائية شمولية، تتجاوز الجانب القانوني لتلامس السياسات العمومية في بعدها الوقائي، وخاصة إصلاح المنظومة التعليمية، وتطوير الاقتصاد الوطني، والارتقاء بالسياسات الاجتماعية، لما لذلك من دور أساسي في معالجة الأسباب العميقة للجريمة والانحراف

