عادةً لا أكتب عن المعتقلين السياسيين، ليس خوفًا ولا عدمَ اقتناعٍ بقضيتهم، بل العكس هو الصحيح: كتبتُ عن مواضيعَ أكثرَ جرأةً من قضية الاعتقال السياسي، التي هي متداولة في الأدبيات السياسية الوطنية، ومقتنع بأنهم ضحايا عنفٍ سياسي تمارسه الطبقة المتحكمة اقتصاديًا وسياسيًا ضد معارضيها.
كنتُ من ضحايا التنويم السياسي الذي جاء محمولًا على شعارات “العهد الجديد”، وتوصيات “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وإيمان الراحل إدريس بنزكري بأننا دشّنا وطنًا جديدًا يسع الجميع، وتُصان فيه حقوق الجميع، ويعيش فيه الجميع بكرامة، وتحت عدالة نصنعها جميعًا.
والأهم من كل هذا: أن لا يتكرر ما جرى…
لكن ما جرى تكرّر.
ودُشِّن عهدٌ جديد من الاعتقال السياسي…
وسقط من أيدينا حلمُ بناء الوطن الجميل…
كيف لي أن أكتب عن الاعتقال السياسي مرة أخرى؟
أخجل من نفسي، وأخجل من إيماني بشعارات كنا نقتسمها وحدنا قبل “العهد الجديد”، ثم بدأنا نقتسمها رفقة رموز العهد الجديد…
كانت الأمور تسير ضد طبيعة الأشياء، لكن اخترنا لها مفرداتٍ وشعاراتٍ تناسبها: “ملك الفقراء”، “المخزن الحداثي”، “المفهوم الجديد للسلطة”، “التنمية المستدامة”، “أين الثروة؟”…
ثم سارت الأمور بشكل كاريكاتوريٍّ مضحك…
امتلأت السجون بشبابٍ لا ذنب لهم سوى تعبيرهم عن رأيهم، وممارستهم لحقهم في قول “لا”، في معارضة سياسة الدولة، في الحلم بالوطن الموعود، لا على مقاس حلم اليهود، بل فقط وفق مخرجات تقرير “هيئة الإنصاف والمصالحة” و”تقرير الخمسينية”…
تقرير الخمسينية أشرف عليه المرحوم محمد مزيان بلفقيه، أحد أطر الدولة الكبار.
وكنتُ كلما أردتُ الكتابة عن المعتقلين السياسيين، أُصاب بالخجل، وأشعر بالدونية، وبنوعٍ من المسؤولية؛ المسؤولية في الترويج لخطاب الوهم، خطاب الحريات…
أحاول، بتخفٍّ شديد، أن أُقدِّم بعضًا مما أستطيعه. في خطوة فردية، أرسلتُ رواية طرسانة إلى كافة المعتقلين، خاصةً معتقلي حراك الريف…
بعض النسخ وصلت، وبعضها مُنع، وإحدى النسخ، الخاصة بـ “دينامو” الحراك، نبيل أحمجيق، كانت موضوع صداعٍ إعلامي.
المقدمة الطويلة أعلاه ضرورية، لأضع القراء في سياق الألم الذي استشعرته وأنا أقرأ خبر إصابة عزي أحمد، والد الأيقونة ناصر الزفزافي، بمرض السرطان هذا الصباح…
هذا الهرم الذي اكتشفنا طينته مناضلًا تقدميًا، وخطيبًا مفوّهًا، ومفاوضًا لا يتنازل عن مبادئه — اكتشفنا كل ذلك حين اعتُقل ابنه، لا قبله…
قبل ذلك، كان يُعد ناصر لمصيره الجميل: صوت أبناء الريف الشامخ، المطالب بما وعدت به الدولة في تقريرها الخمسيني: عدالة مجالية، من بين أجزائها الصغيرة بناء مستشفى لأمراض السرطان المنتشر في المنطقة.
جزءٌ من تطبيب هذا الرجل يمرّ عبر إطلاق سراح ابنه ورفاقه، والجزء الآخر يمر عبر تحقيق مطالب الحراك…
أخجل وأنا أكتب هذه الكلمات. نحن — أو أنا، على الأقل — جبناء ومتخاذلون، وربما لا نستحق تضحيات هؤلاء…
كلّ الحب.
نقلا عن الحساب الشخصي لعبد العزيز العبدي على “فايسبوك”

