آيث بوخرف تُطمر في صمت: حين يُدفن تاريخ الريف في مقابر الإهمال

ايث بويخرف

بقلم: محمد التكانتي

في أقاصي الريف المغربي، حيث لا تزال الأرض تحتفظ برائحة الألم وعبق المقاومة، توجد قرى ومواقع تنطق بالتاريخ، وتئن من فرط الإهمال. قرية آيث بوخرف، الواقعة في حضن جبال الريف العتيقة، ليست مجرد نقطة جغرافية على الخريطة، بل شاهد حي على مرحلة مؤلمة من تاريخ المغرب الحديث، مرحلة ارتبطت بالاعتقالات التعسفية، والاختفاء القسري، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي طبعت سنوات الرصاص.

هذه القرية، وغيرها من مواقع الذاكرة الريفية، لم تحظَ بالاهتمام الذي تستحقه، رغم الوعود الرسمية التي أُطلقت في إطار برنامج جبر الضرر الجماعي الذي أوصت به هيئة الإنصاف والمصالحة. فعوض أن تتحول آيث بوخرف إلى مركز للذاكرة، ومعلم ثقافي وتربوي يعيد الاعتبار للضحايا ويحفظ التاريخ من النسيان، تحوّلت إلى مزار مهجور تحرسه أطلال شاهدة على الخذلان.

التاريخ كأمانة جماعية

إن حفظ الذاكرة لا ينبغي أن يكون ترفًا ثقافيًا أو عبئًا بيروقراطيًا، بل هو ضرورة وطنية وأخلاقية، تعكس مدى نضج الدولة والمجتمع على السواء. التاريخ، حين لا يُصان، يتحول إلى أداة للهروب من الحقيقة، وإعادة إنتاج التهميش والظلم، لا سيما في المناطق التي دفعت ثمنًا باهظًا في سبيل التعبير عن مطالبها المشروعة أو فقط لكونها سكنت “الهامش الجغرافي والسياسي”.

في حالة آيث بوخرف، لا يتعلق الأمر فقط بموقع شهد انتهاكات خطيرة، بل بمكان رمزي كان بالإمكان تحويله إلى مركز إشعاع تربوي وثقافي، ينطلق من الذاكرة نحو المستقبل. غير أن الوقائع تكشف عن سياسة صمت مريب، ومقاربة ترتكز على النسيان كخيار، وليس على التذكر كضرورة للمصالحة الحقيقية.

الوعود المؤجلة وسؤال الالتزام

منذ أكثر من عقد، التزمت الدولة المغربية بجبر الضرر الجماعي في عدد من المناطق التي تضررت خلال العقود الماضية، وكان من بين أولويات هذا البرنامج، تثمين مواقع الذاكرة، وتأهيلها، وتحويلها إلى فضاءات للحفظ والتأمل والتربية على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. لكن الواقع يبرز عكس ذلك تمامًا: وعود مؤجلة، ومشاريع متوقفة، وتجاهل يكاد يكون ممنهجًا.

في آيث بوخرف، يمكن للزائر أن يعاين، بلا كثير عناء، حجم التدهور الذي لحق بالمكان: بُنيات مهترئة، لافتات مكسورة، مسارات متهالكة، وكل شيء يشهد على أن التاريخ يُدفن حيًا أمام أعيننا.

المجتمع بين التواطؤ والصمت

لكن، هل تقع المسؤولية على عاتق الدولة فقط؟ ليس تمامًا. فالمجتمع المحلي، والنخب الثقافية، والفاعلون المدنيون، يتحملون بدورهم قسطًا من المسؤولية. ذلك أن الصمت الجماعي، والقبول بالأمر الواقع، والتردد في مساءلة الجهات المسؤولة، كلّها عوامل تساهم في استمرار هذا الوضع غير المقبول.

إن حفظ الذاكرة مسؤولية جماعية، تتطلب يقظة مدنية، وإرادة سياسية، وحراكًا ثقافيًا يعيد الاعتبار لتاريخنا القريب، لا بوصفه ماضٍ يجب طمسه، بل باعتباره أداة لفهم الحاضر وبناء المستقبل.

الذاكرة ليست حمولة، بل رافعة

الذاكرة، حين تُصان، تتحول إلى قوة ناعمة، ورافعة للتنمية، ومجال للبحث والسياحة الثقافية والمصالحة المجتمعية. بلدان كثيرة حول العالم جعلت من مآسيها مادة للتعلم والتأمل، وأقامت متاحف للذاكرة، ومسارات للزيارة، وأنتجت حولها صناعات ثقافية واقتصادية تُعلي من قيمة الإنسان والمكان.

أما في المغرب، لا سيما في الريف، فإن الإهمال لا يحرمنا فقط من فرص تنموية، بل يُعيد إنتاج التهميش من بوابة التاريخ، ويزرع في النفوس إحساسًا مرًا بأن الآلام لا تُحترم، ولا تُوثق، ولا يُعترف بها.

من المستفيد من النسيان؟

من مصلحة من أن يُدفن تاريخ الريف في مقابر النسيان؟ من يربح حين تتحول مواقع الذاكرة إلى خرائب لا يزورها أحد؟ أسئلة موجعة يجب أن تُطرح بصوت عال، لأن الصمت لم يعد ممكنًا، والتاريخ لا يغفر لمن خانوه.

آيث بوخرف، بهذا المعنى، ليست مجرد قرية مهمشة، بل رمز لزمن ولى دون عدالة، ومرآة لواقع لم يتغير كثيرًا. وعلى الدولة، كما على المجتمع، أن ينهضا من سباتهما، قبل أن يُصبح التاريخ طي النسيان، وتصبح الذاكرة أثرًا بعد عين.