في رثاء الرفيق عبد الله زعزاع

حسن الصعيب

تحل البوم الذكرى الرابعة لرحيل الرفيق الفقيد عبد الله زعزاع أحد مؤسسي منظمة إلى الأمام، وفي سبيل نضاله الثوري ، حوكم بالمؤبد ، في سياق المحاكمة الشهيرة لسنة 1977، و قضى 14 سنة في السجن المركزي بالقنيطرة، وقد تعرض لتعذيب شديد بدرب مولاي الشريف السيئ الذكر، وحمل جسده آثارا بليغة من تلك الفترة الرهيبة، ورغم ذلك ظل متمسكا بإرادة النضال، وكرس كل جهده ووقته للاهتمام بالقضايا الاجتماعية والحقوقية والسياسية التي تؤرق الجماهير الشعبية ، ونوع من أساليب نضاله، بحيث دخل في تجربة إعلامية رائدة ، تسببت في ارتباك المخزن، وتجربة يسارية واعدة، ساهمت في بلورة رأي عام مناهض للسياسات التقشفية والتفقيرية، كما جرب النشاط الجمعوي الهادف من خلال جمعية المتر، كما اكتسب ثقة السكان في الانتخابات الجماعية ، وقد كانت هذه التجربة متميزة، عن التجارب التي خاضها اليسار الإصلاحي، وقد عاش فترات رهيبة وتضييق كبير على حريته الشخصية وأفكاره العلمانية والتقدمية، وبقي على هذه الحال مناصرا قويا لحقوق المرأة، ومدافعا مستميتا على الحريات الفردية والجماعية، ولم يأبه بما كان يدبره أعداء الديمقراطية وحقوق الإنسان، وما بذل تبذيلا.

قبل وفاته بقليل صدر كتابه:” نضال رجل من اليسار…سرديات” باللغة الفرنسية و الذي ترجم إلى اللغة العربية من طرف مركز محمد بن سعيد آيت إيذر للأبحاث والدراسات، وقد تم عرضه بمناسبة تأبينه السنة الماضية بمقر حزب الاشتراكي الموحد بالدارالبيضاء.

نضال رجل من اليسار …سرديات، هو شكل من كتابة السيرة الذاتية السياسية، فهو نوع من السرد يتوخى التركيز على شذرات من حيوات عيشت بقلق وتوثر وكفاح، وكانت التيمة الرئيسية التي تؤتث الكتاب هي متلازمة الاستبداد والديمقراطية ، هذه التيمة تتقلب على صفحات الكتاب في صور ووقائع وتذكرات وتجارب، منها ما يرتسم في لوحة قاتمة ، تتعرض بشيئ من التفصيل لشروط الاعتقال القاسية وضروب التعذيب اللأدمية بدرب مولاي الشريف، ومنها ما يعكس مقاومة شرسة في المعتقل وإرادة التحرر من الأسر، من خلال بلورة مشروع الفرار من السجن.

أما الوجه الآخر من تلك الترسيمة فهو الانغماس في تجربة سياسية جديدة بعد الخروج من السجن، تستأنف مهمة وبرنامج مناهضة الاستبداد ، والدعوة إلى فرض ديمقراطية حقيقية، من خلال النضال مع الجماهير الشعبية بدرب الميتر، حيث يتم تسجيل آيات من الشجاعة والمقاومة ضد الظلم والاستغلال والقمع ، أبطالها شخوص شعبية مؤمنة بجدوى مشروع اليسار الديمقراطي. فضلا عن بلورة مشروع ثقافي يناضل من أجل الحقوق المتساوية بين المرأة والرجل ، والدفاع عن العلمانية كصيغة مدنية لإقرار الفصل بين المجال الديني والمجال السياسي، وفرض فكرة المواطنة الحقيقية، دون تمييز بسبب الجنس والعرق واللغة والطبقة.