بقلم: محمد التكانتي
في ظل دينامية سياسية معقدة يشهدها المغرب، يطفو على السطح سؤال جوهري: هل يتجه المغرب الرسمي إلى دعم التيار الشعبوي داخل الأحزاب والنقابات، أم أن ما نلاحظه من تصاعد في الخطاب الشعبوي لدى بعض الفاعلين ليس سوى انعكاس لمعادلات داخلية ظرفية تخضع لحسابات انتخابية؟
من الترويض إلى التوظيف
منذ عقدين تقريبًا، أخذ المشهد السياسي المغربي منحىً أكثر ضبطًا، حيث بات من الواضح أن الدولة تسعى إلى إنتاج نخب حزبية ونقابية “مُطواعة” و”منضبطة”، قادرة على ضمان الاستقرار دون المساس بالثوابت. ورغم هذا التوجه، يلاحظ المتتبعون فسح المجال في أحيان معينة لبعض الخطابات الشعبوية، التي تُستثمر لتأثيث المشهد السياسي، أو لتقديم صورة عن “تعددية حيوية” لا تتجاوز الخطوط الحمراء.
الشعبوية، في هذا السياق، لا تُفهم كخيار استراتيجي دائم، بل كأداة تكتيكية تُستدعى كلما اقتضت الضرورة، خصوصًا حين تحتاج الدولة إلى امتصاص التوترات الاجتماعية، أو إلى خلق توازنات مرحلية داخل الحقل الحزبي دون المساس بالتراتبية المعتمدة للقوى الفاعلة.
من أمريكا اللاتينية إلى المغرب
ظهر مصطلح “الشعبوية” لأول مرة في روسيا أواخر القرن التاسع عشر، لكنه تبلور فعليًا كتيار سياسي مؤثر في أمريكا اللاتينية خلال القرن العشرين، مع شخصيات مثل خوان بيرون في الأرجنتين وهوغو تشافيز في فنزويلا. وقد تميز هذا التيار عالميًا بقدرته على تجييش الجماهير عبر خطابات تبسيطية، تستدعي “الشعب” في مواجهة “النخبة”، وتعد بالتغيير الجذري خارج المؤسسات التقليدية.
أما في المغرب، فقد بدأت ملامح الخطاب الشعبوي تبرز مطلع الألفية الثالثة، مع انفتاح نسبي في المشهد السياسي سمح بتموقع وجوه ذات كاريزما جماهيرية، أبرزها عبد الإله بنكيران، الذي رفع منسوب الاحتكاك الإعلامي والسياسي بلغة شعبية مشحونة بالقيم والدين والعفوية. هذا النمط من الخطاب، ورغم تباين المواقف منه داخل دوائر القرار، ظل مقبولًا طالما لم يتجاوز السقف المرسوم له.
بنكيران: شعبوية “مُرخّصة”؟
في المؤتمر الأخير لحزب العدالة والتنمية، أعاد عبد الإله بنكيران تقديم نفسه كصوت معارض جريء، حين أطلق انتقادات لاذعة للحكومة، بنبرة مفعمة بالعاطفة والدين والسخرية، موجهًا سهامه نحو شخصيات بعينها، ومقدمًا نفسه كمدافع عن “أخلاق السياسة” في مواجهة ما سماه “التحلل السياسي”.
خطابات بنكيران، المتكررة والمشحونة، تكشف عن عودة مدروسة لشكل من أشكال الشعبوية المراقَبة، وهي عودة لا يبدو أن الدولة تعارضها صراحة، ما دامت تندرج ضمن لعبة “التوازنات”، وتمنح الرأي العام متنفسًا من رتابة الخطاب الرسمي التقنوقراطي.
محمد أوزين: الشعبوية بنفس أمازيغي
من جهته، برز محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، بخطابات ذات نبرة شعبوية لافتة، خاصة خلال مداخلاته البرلمانية، حيث وظف لغة قريبة من الشارع، تحدث فيها عن “الزيت والسكر والتقرقيب”، ووجه انتقادات لاذعة للوضع المعيشي.
يبدو خطاب أوزين كأنه محاولة لإعادة تموقع حزبه ضمن الخريطة السياسية، عبر استمالة القاعدة الانتخابية في المناطق القروية والمهمشة، بلغة يفهمها الناس وتحاكي معاناتهم، في محاولة لكسب تعاطفهم واستعادتهم إلى الحقل السياسي.
الأحرار: شعبوية مؤقتة
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يُحسب على الأحزاب ذات القرب المؤسسي من السلطة، فقد جرب بدوره اللعب بورقة الشعبوية، خاصة خلال الحملات الانتخابية، من خلال وعود بسيطة ومباشرة حول التشغيل والصحة والتعليم.
غير أن هذا الخطاب سرعان ما تراجع بعد الدخول الفعلي إلى دواليب التدبير الحكومي، ليحل محله خطاب تقنوقراطي صارم، وكأن الحزب تخلى عن خطاب لا يتقنه، أو لا يسمح له السياق السياسي الرسمي بالاستمرار فيه.
الدولة والشعبوية: تنفيس لا تمكين
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الدولة المغربية لا تتبنى خطابًا شعبويًا بشكل مؤسسي أو أيديولوجي، لكنها لا تمانع توظيفه بشكل انتقائي ومرحلي، حين يكون ذلك مفيدًا في امتصاص الغضب الاجتماعي، أو إعادة ترتيب موازين القوى داخليًا. فالسماح بخطابات من هذا النوع، في حدود مضبوطة، يشكل جزءًا من هندسة سياسية شديدة الحساسية، حيث تُستخدم الشعبوية كصمام أمان، لا كمحرك للتغيير.
خاتمة: بين صوت الشارع وعقل الدولة
إن صعود نبرة الخطاب الشعبوي في المغرب ليس وليد صدفة، ولا تعبيرًا تلقائيًا عن دينامية ديمقراطية صاعدة، بل هو – في كثير من الأحيان – نتاج توظيف محسوب، ضمن مسرح سياسي تُحدد أدواره بعناية. وإذا كانت الديمقراطية الحقة تقوم على التعددية الحرة والتداول الحقيقي للخطابات والمشاريع، فإن الشعبوية في السياق المغربي تبقى أقرب إلى “الدور الوظيفي” منها إلى التعبير الحر.
فهل نحن أمام انفتاح تكتيكي على لغة الشارع؟ أم أننا بصدد نسخة جديدة من نفس المسرح، بأقنعة أكثر إثارة؟ سؤال يبقى معلقًا، رهنًا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على ترجمة هذا الحضور الشعبوي إلى مشروع فعلي، لا مجرد ديكور لإدارة الواجهة السياسية.

