وفاة الرئيس موخيكا..رحيل حالة إنسانية استثنائية

وفاة موخيكا

في لحظة وداع حزينة، طوت الأوروغواي أمس الثلاثاء صفحة من أنصع صفحات تاريخها السياسي، برحيل الرئيس الأسبق خوسيه “بيبي” موخيكا عن عمر ناهز 89 عاماً، وفق ما أعلنته الحكومة رسميًا.

الرئيس الحالي، ياماندو أورسي، الذي يُعد امتدادًا لنهج موخيكا السياسي، نعى رفيقه بكلمات مؤثرة عبر منصة “إكس”، قال فيها: “بحزن عميق نعلن وفاة رفيقنا بيبي موخيكا (…)، شكرًا لك على كل ما قدمته لنا، وعلى حبك اللامحدود لشعبك”.

حالة إنسانية استثنائية

موخيكا كوردانو، ليس مجرد سياسي تقليدي بل هو حالة إنسانية استثنائية، وصوت ضمير في عالم السياسة المعاصر. وُلد في 20 مايو 1935 في مونتيفيديو، في أسرة متواضعة من أصول فلاحية. عُرف منذ شبابه بنزاهته وبساطته وصلابته، وهي سمات لازمته طوال حياته وجعلت منه أيقونة إنسانية تتجاوز حدود السياسة والحدود الجغرافية.

في ستينيات القرن الماضي، انضم موخيكا إلى حركة “توباماروس” الثورية اليسارية، وهي حركة مستلهمة من الثورة الكوبية، وقد تبنّت الكفاح المسلح ضد الأنظمة القمعية في الأوروغواي آنذاك. شارك موخيكا في عدد من العمليات الجريئة، لكنه دفع ثمناً باهظاً، حيث اعتقل مرات عدة وتعرّض للتعذيب، وقضى نحو 14 سنة في السجن، معظمها في حبس انفرادي قاسٍ. لم يكسره السجن، بل صقل شخصيته وعمّق فهمه للحياة والحرية والعدالة.

خرج موخيكا من السجن بعد نهاية الحكم العسكري عام 1985، وبدلاً من أن ينغمس في روح الانتقام، اختار طريق المصالحة وبناء المستقبل. انخرط في الحياة السياسية من بوابة الديمقراطية، وأصبح نائبًا ثم وزيرًا للزراعة، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية عام 2010.

خلال فترة رئاسته (2010–2015)، اشتهر موخيكا بأسلوب حكمه البسيط والمباشر، فقد رفض العيش في القصر الرئاسي، مفضّلاً البقاء في مزرعته الريفية المتواضعة التي يديرها بنفسه، برفقة زوجته، السيناتورة والناشطة لوسيا توبولانسكي، وكلبه بثلاث أرجل. كان يقود سيارته القديمة من نوع فولكسفاغن بيتل بنفسه، ويرفض مظاهر الحراسة المشددة، واعتاد التبرع بـ90٪ من راتبه الرئاسي للجمعيات الخيرية، لا سيما تلك التي تعمل في مجال الإسكان للفقراء.

أطلق عليه الإعلام العالمي لقب «أفقر رئيس في العالم»، وهو لقب لم يكن يسعده، بل كان يقول: «لست فقيرًا، الفقير هو من يحتاج الكثير». كان يرى أن السعادة لا تُقاس بما نملك بل بما نحتاج، وأن التحرر الحقيقي هو التحرر من الاستهلاك والجشع. وقد عبّر عن فلسفته هذه في خطابات مؤثرة، منها كلمته الشهيرة في قمة ريو+20 عام 2012، والتي أصبحت رمزًا عالميًا لنقد النموذج الرأسمالي السائد.

إصلاحات عميقة

أما على مستوى السياسات، فقد شهدت الأوروغواي في عهده إصلاحات عميقة في مجالات متعددة: تشريع زواج المثليين، تقنين الإجهاض، تنظيم سوق الماريجوانا تحت إشراف الدولة، وإطلاق برامج اجتماعية تستهدف تحسين معيشة الفئات المهمشة. لم يكن هدفه إرضاء الغرب أو الترويج لصورة تقدمية، بل كان يؤمن بأن الدولة يجب أن تكفل الحرية الفردية والكرامة الإنسانية، وأن تتدخل لمحاربة الفقر دون أن تصادر الحرية.

موخيكا لم يكن معصومًا من الأخطاء، فقد واجه انتقادات بشأن بعض السياسات الاقتصادية أو علاقاته مع بعض الدول، إلا أن شعبيته بقيت قوية داخل بلاده وخارجها. وبعد انتهاء ولايته، رفض الترشح مجددًا، مفضّلًا العودة إلى حياته الريفية، حيث يزرع الزهور ويكتب ويُلقي محاضرات عن السياسة والحياة.