ها هي الأرض تشتعل مجددًا، لا لأنّها عاقر عن السلام، بل لأنها مشبعة بحقد التاريخ ومشاريع الهيمنة وقوانين الغاب الجديدة. إيران ترد، ليس من باب الانتقام العابر، بل لتعيد رسم ميزان القوى الناري بلغة لا تعرف الغموض. مئتا صاروخ ليست رقمًا تقنيًا، بل إعلان وجود لقوة إقليمية قررت أن تخرج من منطق الدفاع السلبي إلى التهديد الوجودي الفعلي. الحرب تقرع طبولها بصوت مرتفع في الزمان، وتفتح لنفسها ساحات جديدة في المكان، معلنة أننا لسنا أمام جولة خاطفة من الردع، بل أمام مسار طويل لتكسير عظام التوازن القائم.
اللافت أن طهران، رغم ما أعلنته من ضربات مركزة، لم تشر بإصبعها مباشرة إلى اغتيال قيادات عسكرية أو رؤوس استخباراتية إسرائيلية، وكأنها تترك مساحة للغموض أو للمناورة، أو لأنها تدرك أن المعركة اليوم لا تُقاس بعدد القتلى، بل بما يترتب عنها من تغييرات في بنية الصراع. في المقابل، تصرخ تل أبيب من الداخل بأنها تنتظر أيامًا صعبة، وهذا اعتراف غير مألوف، لأن الكيان الذي طالما بنى خطابه على “الردع المطلق”، بدأ ينهار تحت وطأة المفاجأة، ويفقد هيبته التي كانت تستند على أسطورة “الضربة الاستباقية”.
تساؤل جوهري يفرض نفسه هنا: إلى أي حد أصبحت البنية الأمنية الإسرائيلية مخترقة؟ وهل تملك تل أبيب المعلومات الدقيقة حول النوايا والهياكل الإيرانية الفاعلة؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فإنها بذلك تكون قد فقدت أحد أهم أذرعها الاستراتيجية، أي السيطرة على ساحة الخصم من الداخل. أما إذا كانت تملك المعطيات وسكتت، فإنها بذلك قد دخلت مرحلة تكيّف اضطراري مع حرب لا تستطيع إنهاءها بسرعة ولا التراجع عنها بلا ثمن.
لأول مرة منذ إعلان قيام الكيان الصهيوني، تتعرض جبهته الداخلية لهجوم بهذا الحجم، من حيث الكثافة وتعدد الجبهات واستمرارية الزمن. لم تعد الصواريخ مجرد أدوات تخويف نفسية، بل أصبحت فعلًا وجوديًا ينزع عن المركز المحتل وهم العصمة الجغرافية. فإيران، عبر أذرعها الإقليمية، لا تتحدث عن طموح عسكري فحسب، بل تؤسس لمرحلة جديدة من توازن الرعب الذي يعيد صياغة الفعل الجيوسياسي في المنطقة. وهذا ما يجعل الأطراف جميعها تعدّ خسائرها لا بمنطق النصر أو الهزيمة، بل بمنطق ما يمكن الحفاظ عليه من “مكاسب نسبية” في كناش الحساب الاستراتيجي الطويل الأمد.
إنها لحظة تاريخية تشهد على أفول نموذج السيطرة عبر السلاح وحده، وعلى بروز صراع بين من يسعى لإعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية بأدوات جديدة، ومن يقاومها عبر استنزاف النفس الطويل. وهذا التحول لا يمكن عزله عن بنية القانون الدولي ذاته، الذي صار أداة بيد الأقوى لشرعنة سياساته، مقابل غياب آليات رادعة لحماية الشعوب ومجتمعاتها من بطش آلة الحرب والاغتيال والاحتلال. في هذا السياق، تبدو المعركة الحالية كاشفة لمفارقة مركزية: القانون الدولي عاجز عن تأطير حرب تشتعل فوق أرض ملوثة بمصالح القوى الكبرى، وعاجز عن وقف الجريمة حين تكون إسرائيل طرفًا فيها.
المنطقة كلها تدخل منعطفًا جديدًا، من الشرق حتى تخوم شمال إفريقيا، حيث تتغير التوازنات ببطء ولكن بعمق. ليس فقط لأن النار تشتعل في المدى، بل لأن الاصطفافات القديمة لم تعد قادرة على الصمود، ولأن الشعوب بدأت تشكك في روايات الردع والخضوع. وكلما طال أمد الحرب، كلما انفتحت نوافذ جديدة لولادة خرائط مختلفة من الفعل، تتجاوز الطائفية والمذهبية وتطرح سؤال السيادة الحقيقية، لا السيادة التي تمنحها المفاوضات وتلغيها الغارات الجوية.
الأكثر دلالة في هذا المنعطف أن لا أحد يتحدث عن نصر قريب، ولا أحد يتوعد بهزيمة للآخر. الجميع يعرف أن اللعبة خرجت عن نطاق “المعارك السريعة”، ودخلت زمن “الاستنزاف الذكي”، حيث لا تفوز من يرمي أكثر، بل من يبني منظومته على المدى البعيد، ويتقن حساب التكاليف دون أن يفقد جوهره. ومن هنا، تنبثق القراءة الأعنف لما يحدث: لا انتصارات في ظل الخراب، ولا شرعية لسلاح لا يحمل مشروعًا تحرريًا، ولا جدوى من تكرار أسطوانة “حق الدفاع عن النفس” حين يكون المحتل هو من يحدد منطق الحرب والسلام.
العدوان الصهيوني على شعوب المنطقة لا يمكن فصله عن بنيته القائمة على التفوق المطلق، لا فقط عسكريًا بل استخباراتيًا وتكنولوجيًا. لكن الرد الإيراني، بكل ما فيه من غموض وتصعيد، يمثل كسرًا لهذه المعادلة. وما دام الرد لم يُحتوَ في ساعاته الأولى، فإن منطق الردع قد تبدد، لتحل محله معادلة الرد على الرد، أي الدخول في نفق ممتد من الصدام، لا يُبقي ولا يذر، ويجر المنطقة إلى اشتباك استراتيجي متعدد الأبعاد: من الميدان إلى الإعلام، ومن القرار العسكري إلى القرار السياسي والاقتصادي.
إنه زمن لا يحتمل حيادًا، وزمن لا يصلح فيه الوقوف على الأطلال أو تمجيد السكون. فإما أن يعاد بناء منطق الصراع وفق رؤية تحررية واضحة، أو تستمر الدوامة في طحن الشعوب بلا رحمة. ولذلك، فإن كل صاروخ ينفجر اليوم، هو أيضًا سؤال مفتوح عن شكل الغد، عن معنى السيادة، عن مفهوم الكرامة، وعن حدود الردع في زمن باتت فيه كل الخرائط مفتوحة على الاحتمالات المجهولة.
الحسيمة في 14 يونيو 2025
ابو علي بلمزيان

