على جدران المناجم الصامتة في جرادة، وبين أروقة أنفاقها التي كانت تعج بالحياة يوما ما، تحفر اليوم حكايات ألم طويل ونضال مرير.
هنا، حيث كان الفحم شريان اقتصاد المنطقة، أصبح غباره القاتل لعنة تلاحق أجساد عمالها حتى بعد عقود من إغلاق “مفاحم المغرب”.
إنهم مرضى السيليكوز، رجال أفنوا أعمارهم في باطن الأرض على عمق عشرات الأمطار، ليجدوا أنفسهم اليوم يواجهون الموت البطيء على سطحها، محاطين بالإهمال والعقبات البيروقراطية.
لم أعد أتحرك..
تختصر هذه الكلمات المرتجفة التي نطق بها أحد العمال المتقاعدين، والذي يعاني من نسبة عجز بلغت 95%، حجم المأساة. يروي بصوت متقطع كيف أصبح عاجزا عن أبسط مناحي الحياة: “إذا دخلت المرحاض لا أستطيع الخروج دون مساعدة. إن لم تحملني عائلتي، لا أحد يحملني”.
معاناته الجسدية تتفاقم بضائقة مالية خانقة، حيث لا يتجاوز معاشه 540 درهما، مبلغ يثير السخرية أمام فواتير الماء والكهرباء وتكاليف الأدوية الباهظة.
هذه القصة ليست استثناء، بل هي القاعدة لجيل كامل من العمال الذين يعتمدون كليا على آلات الأكسجين للبقاء على قيد الحياة.
آلات مرتبطة بالتيار الكهربائي الذي يمثل انقطاعه حكما بالإعدام. يقول عامل آخر وهو يتشبث بجهازه: “إذا انقطع الضوء، انتهى الأمر. تبقى تصارع الموت حتى تصل سيارة الإسعاف، هذا إن كنت محظوظا ووجدوك”.
نظام صحي يزيد من الاختناق
رغم أن السيليكوز مصنف كمرض مزمن يقتضي تغطية صحية شاملة، إلا أن الواقع الذي يعيشه هؤلاء المرضى يصطدم بحائط من البيروقراطية القاتلة. يشكو المرضى من أن التغطية لا تشمل كل الأدوية، وأن الحصول على موعد مع طبيب مختص يتطلب انتظارا طويلا قد لا يمهلهم العمر له. “تذهب لتموت، فيقولون لك عد بعد شهر لموعدك”، يعلق أحدهم بمرارة.
وتصل المأساة ذروتها عند الوفاة. يوضح رشيد السلطاني رئيس الفدرالية الوطنية للأمراض المهنية بالمغرب أن العديد من شهادات الوفاة تصدر من قسم المستعجلات بأسباب “طبيعية” أو “سكتة قلبية”، متجاهلةً ملف المريض الطبي الحافل بمرض السيليكوز. هذا “الخطأ” الإداري يحرم الأرملة والأبناء من حقوقهم المستحقة، ويجبرهم على خوض معارك إضافية لإثبات ما هو مثبت أصلا.
حقوق معلقة وأرواح تزهق في الانتظار
على الصعيد المادي، ينتظر العمال وأسرهم منذ أكثر من عشر سنوات تفعيل قانون يقضي بزيادة معاشاتهم، لكن المرسوم الوزاري التطبيقي الذي يجب أن توقعه وزارة الصحة لم يصدر بعد. “لقد أغلقوا الملف علينا”، يقول ممثل العمال، وهو ما دفع بهم في النهاية إلى تنظيم وقفة احتجاجية وطنية لإيصال صوتهم.
الأكثر إيلاما هو وضع الأرامل اللواتي توفي أزواجهن بعد 2013. رغم حصولهن على أحكام قضائية تقر بحقهن في الزيادة، إلا أن الإدارة ترفض التنفيذ. يقول الناشط بحسرة: “الكثيرات منهن توفين وهن ينتظرن هذا الحق. لقد التحقن بأزواجهن دون أن ينلن شيئا”.

