حين تصير الثورة مرآة.. تأمل في كتاب “فلسطيني بلا هوية” لصلاح خلف ابو إياد

ناجي العماري

بقلم: ناجي العماري

حين نقرأ شهادة مثل “فلسطيني بلا هوية”، لا نبحث عن إجابات، بل نسمح للندوب أن تفتح فمها. هذا نصّ لم يُكتب تحت الضوء، بل على جدران المنفى، لا يُبرّر، بل يُربك. صلاح خلف، الذي نعرفه كأحد مؤسسي حركة فتح، يخلع بزته لا ليُملِ هذا النص على الصحافي الفرنسي إيريك رولو ليؤرّخ لمسيرته، بل ليحتج ليحكي كمذبوحٍ يرفض أن يموت بصمت. كل جملة فيه تصرُّ على أن تكون قنبلة ضد النسيان. ليس المهم ما يُروى، بل كيف يُروى، ومن أين. فالمسألة هنا ليست في السيرة، بل في المرآة التي تضعها أمام قارئ عربي بات يُطارد أشلاء هويته بين النشرات والخذلان. لهذا، نقرأ “فلسطيني بلا هوية” لا لنفهم صلاح خلف، بل لنسأل أنفسنا: كيف يتحوّل الثائر إلى شاهد، دون أن يتحوّل إلى ضحية؟

حين يكون الاسم تهمة والوطن ذاكرة

في كتابه “فلسطيني بلا هوية”، لا يكتب صلاح خلف سيرة حياة، بل شهادة على زمن. لا يسرد تفاصيل، بل يعرض جرحًا مفتوحًا، كأن الكلمات نفسها لا تكفي لتسمية الألم، وإنما تُستعمل لتطويقه، لئلا يتمدد أكثر. إنه كتاب عن الغياب لا الحضور، عن وطن لا يُشاهد إلا من بعيد، من خلف القضبان، أو خلف الحدود، أو من على شاشات الأخبار. إن الفلسطيني، كما يصفه صلاح خلف، لا يحمل هوية تُثبت انتماءه، بل يحمل وثائق تُذكّره بأنه غريب، مُريب، ناقص المواطنة، مكتمل الاشتباه.
ينبش أبو إياد في هذا النص الكثيف ذكرياته، لكن لا باعتبارها لحظات حميمة، بل باعتبارها مفاتيح لفهم المأساة. يُعيد رسم ملامح الثورة الفلسطينية لا من موقع القيادة فقط، بل من قلب الأسئلة: من نحن؟ ولماذا طُردنا؟ وكيف نعود؟ لا شيء في هذا الكتاب مجاني أو حيادي. حتى الصمت بين السطور يبدو وكأنه يصرخ. لأنه ليس سردًا فقط، بل دفاعًا. ليس اعتذارًا، بل إعلان تمرد.
صلاح خلف، وهو أحد أبرز مؤسسي فتح، لا يتحدث بلسان الزعيم. بل يتحدث كفلسطيني ينجو كل مرة من موتٍ مؤجل. موتٌ في المنفى، موتٌ في المعركة، موتٌ في الخيانة. كل هذه الأشكال من الفقد، تتراكم في الكتاب، لا لتُشبع شهية القارئ للدراما، بل لتبني وعيًا جديدًا حول معنى الهوية حين تُجرَّد من وطن.
في كل صفحة، نسمع صدى الأسئلة الوجودية التي لا تزال تطارد كل فلسطيني: ماذا يعني أن تُولد لاجئًا؟ ماذا يعني أن تكون الأرض بعيدة، لكن الرصاصة قريبة؟ ماذا يعني أن تُقاتل، لا لكي تعود فقط، بل لكي تُثبت أنك كنت هناك أصلًا؟ “فلسطيني بلا هوية” ليس فقط عنوانًا لكتاب، بل تهمة ألصقها العالم بجماعة كاملة من البشر. وتحوّلت هذه التهمة إلى واقع قانوني، إلى نظام دولي، إلى حجة لتبرير الإقصاء.
لكن أبو إياد لا يرضخ. بل يختار أن يسرد، والسرد هنا فعل مقاومة. إنه يكتب عن عبد الناصر، عن عرفات، عن الخلافات داخل فتح، عن الأخطاء، عن الاغتيالات، عن الشكوك، عن المحاولات الفاشلة والرهانات الضائعة. لكنه لا يكتب كمن يُصفّي حسابًا، بل كمن يُدرك أن الحقيقة، بكل تعقيدها، أكثر ثورية من أي خطاب.
يقدّم هذا الكتاب أيضًا تأملًا نادرًا في العلاقة بين السياسة والذاكرة. فالفلسطيني، كما يظهر في الصفحات، لا يستطيع أن يكون سياسيًا فقط، لأن كل قرار يتخذه هو قرار وجودي. لا يتفاوض من موقع القوة، بل من موقع الحاجة إلى الاعتراف. ولا يُمثل وطنًا قائمًا، بل فكرة وطنٍ يسكن القلوب. وهذه المعادلة القاسية، هي ما يجعل الهوية عبئًا لا شرفًا، وجواز السفر أمنية لا وثيقة.
الجانب الأكثر عمقًا في “فلسطيني بلا هوية” هو تلك القدرة العجيبة على الدمج بين الذاتي والجماعي. فحين يكتب أبو إياد عن اغتيال أصدقائه، عن لحظات الرعب، عن خيانات الرفاق، فإنه لا يُمارس البوح لأجله، بل كأنه يُحمّل القارئ مسؤولية الذاكرة. كأن هذا الكتاب ليس إلا نقلًا للراية، لأن الكاتب يعرف أنه قد يُغتال قبل أن يُكمل الجملة الأخيرة.
والاغتيال، فعلًا، ليس غائبًا عن النص. بل هو شبح دائم. يمر كظل في كل الفصول، لأن أبو إياد يعرف أن زمن الثورة ليس زمنًا آمنًا. ومع ذلك، فإنه لا يُظهر أي رغبة في النجاة الفردية. بل يصر على أن يكون في الصفوف الأولى، لا حبًا في البطولة، بل رفضًا للهروب.
ربما أهم ما في هذا الكتاب أنه لا يُسطّر بطولات أسطورية، بل يعترف بالضعف. يعترف بالأخطاء، بالتردد، بالتناقضات. يعترف بأن الثورة ليست دائمًا نقية، وأن النوايا الحسنة لا تضمن النتائج العادلة. لكنه في اعترافه هذا، يُعطي الثورة إنسانيتها. يُنقذها من التقديس الأجوف.
“فلسطيني بلا هوية” هو أيضًا كتاب عن الخيانة. خيانة الأصدقاء، خيانة الأنظمة، خيانة المنظمات. لكنه لا يغرق في الحقد، بل يُحوّل الخيانة إلى درس. إلى لحظة وعي. فالفلسطيني، كما يُظهره صلاح خلف، لا يملك ترف النسيان. لأن كل خيانة جديدة، هي فقط فصل جديد من نكبة مستمرة.
ووسط هذا الركام، يُصر أبو إياد على الحلم. لا الحلم الوردي، بل الحلم العنيد. الحلم الذي يُبنى على أنقاض الفشل، وعلى أشلاء الرفاق، وعلى الحذر من القادم. الحلم الذي يقول إن الشعب، حين يتمسك بالحياة، أقوى من كل الحدود، ومن كل القرارات الأممية.
“فلسطيني بلا هوية” هو كتاب لا يُقرأ فقط لفهم تاريخ القضية، بل لفهم معنى أن تكون إنسانًا في عالم لا يعترف بك إلا كملف. هو كتاب عن السياسة حين تصير قَدَرًا، وعن الكفاح حين يصبح هوية، وعن الوطن حين يتحول إلى جغرافيا في القلب.
إنه ليس كتابًا ينتهي. لأنه، في كل مرة يُقرأ، يولد من جديد. وفي كل مرة يُنسى، يحدث اغتيال آخر. إنه شهادة مفتوحة، لا لأجل الماضي فقط، بل لأجل الغد أيضًا. شهادة تقول: لسنا بلا هوية، نحن فقط بلا اعتراف. والفرق بينهما هو ما يشعل الثورات.

الحكاية حين تُروى من قلبها

لا يكتب أبو إياد مذكراته كزعيم. ولا يروي حكاية فلسطين كمتفرج على مأساتها. بل يحكيها كمن حملها على كتفيه، ومشى بها في الدروب المعتمة، وانكسر بها، ونهض منها، وخاف لأجلها، وراوغ من أجلها، وخانها أحيانًا ليحفظها.
“فلسطيني بلا هوية” ليس سيرة ذاتية تقليدية، بل شهادة من الداخل. من داخل التنظيم، والخطأ، والاختيار. ومن داخل الخيانة أيضًا. لا خيانة الوطن، بل خيانة ما اعتبره البعض نقاءً ثوريًا، وحيدًا، متعالٍ. أبو إياد لا يدّعي البطولة، بل يمشي على حد السكين بين الواقعي والمبدئي، بين الممكن والمطلوب.
منذ السطور الأولى، ندرك أننا أمام نص لا يهادن. لا يتجمّل. لا يحوّل التاريخ إلى أسطورة. إنه تاريخ مشتبك، مكتوب بحبر الدم، والمنافي، والتحالفات المريبة، والخذلان، والانتصارات المؤجلة. يحكي لنا كيف تُبنى حركة تحرر، لا في مكاتب نظيفة، بل في مطارات مهجورة، في اجتماعات سرية، في فوضى الجبهات، في عبث السياسة العربية.
يُفكك أبو إياد فكرة الهوية. يقولها دون رتوش: أن تكون فلسطينيًا لا يعني فقط أن تُقاتل الاحتلال، بل أن تُصارع كي تبقى. أن تواجه محاولات محوك من داخل بيتك كما من خارجه. أن تُناضل لا فقط ضد إسرائيل، بل ضد التخلي، ضد الرغبة في النسيان، ضد السردية الرسمية التي تريد منك أن تكون رمزًا لا إنسانًا.
في كل صفحة، تشعر أن الكاتب ليس حرًا. بل محكوم بالحاجة إلى التبرير، إلى الاعتراف، إلى التفسير. وهذا لا يُضعف النص، بل يمنحه صدقه. لأنه لا يتحدث من علياء التاريخ، بل من هشاشته. يخبرنا عن الانشقاقات، عن الصراعات في فتح، عن لحظات الشك. عن السجون العربية، لا الإسرائيلية. عن الجلادين الذين يتحدثون العربية بلكنة وطنية.
وربما هذا هو الدرس الأكثر فتكًا في الكتاب: أن القضية لا تموت فقط بقوة العدو، بل بتآكل الحلم داخلها. حين يصبح التحرير شعارًا لتبرير السلطة، والمقاومة وسيلة لضبط الجمهور، والاستشهاد طريقًا إلى الشرعية. يحكي أبو إياد عن هذا كله، لا ليُدين، بل ليُحذر. لا ليُبرّئ نفسه، بل ليضعها أمام مرآة.
إنها شهادة على زمن، وعلى من ظنوا أن القضية يمكن أن تتقدم دون مساءلة. الذين اعتقدوا أن الرصاص وحده يكفي. والذين راهنوا على الأنظمة، ثم اكتشفوا أن الأنظمة تراهن على بيعهم.
لكن في المقابل، لا يفقد أبو إياد إيمانه. لا يسقط في العدمية. بل يواصل الدفاع عن الفكرة: فلسطين ليست قضية، بل كرامة. ليست أرضًا فقط، بل معنى. ليست رواية خالصة، بل صراع متعدد الأصوات. ولهذا يكتب، ولهذا يعترف، ولهذا يحكي.

الشاهد الذي لا يُمحى

أن تكون فلسطينيًا، يعني أن تحمل وطنك لا على جواز سفر، بل على جرح مفتوح. أن تسير في التاريخ كأنك تنقله على ظهرك، وأن تُعرّف نفسك من خلال ما سُلب منك لا ما مُنح لك. في كتاب “فلسطيني بلا هوية” لصلاح خلف (أبو إياد)، لا نجد فقط سيرة رجل، بل سردية وطن تُروى بصوت من عاش الخسارة ورفض أن تصبح قدرًا.
هنا،لم نركّز على المحطات السياسية أو الانعطافات العسكرية، بل نتأمل في ما هو أعمق: في ما تُحدثه الثورة في الفرد. كيف يُولد الإنسان الثوري؟ كيف يتكوّن وجدانه؟ ما الذي يجعله يواصل، رغم الخيانة، رغم القمع، رغم انكسارات الحلفاء والأصدقاء؟
صلاح خلف، في هذا النص، يكتب لا ليتفاخر، بل ليُخبر. لا ليدوّن مجدًا، بل ليفتح جراحًا لا تلتئم، فقط لتذكّرنا أننا لم نعد نملك ترف النسيان. في كل صفحة، هناك اعتراف. ليس فقط بما فعله، بل بما لم يستطع أن يفعله. كأن الكتاب كله هو تمرين على مواجهة المرآة، من دون أن يرفّ له جفن.
الهوية في هذا السياق ليست بطاقة، بل موقف. ليست وصفًا إداريًا، بل تموقعًا وجوديًا. أن تكون فلسطينيًا، يعني أن تختار ألا تنسى. أن ترفض أن يُصاغ اسمك من خلال ما تقوله الأمم المتحدة، أو ما يقرّره الاستعمار. أن تبقى، رغم كل ما يشير إلى زوالك.
يروي أبو إياد عن المخيم، عن يافا وغزة، عن القاهرة، عن بيروت، عن تونس، لكنه يروي أكثر عن الوحدة والانقسام، عن الرصاص الذي يأتي من الخلف، عن المعارك داخل البيت الواحد. وهذا ما يجعل كتابه مختلفًا: الصدق المُرّ. لا بطولات مصنوعة، لا رواية مصقولة، بل سيرة من لحم ودم وندم.
لم يكن أبو إياد نبيًا. ولم يقدّم نفسه كذلك. بل كان من أولئك الذين قرأوا كارثة 1948 ليس فقط كنكبة وطن، بل كنكبة مشروع، كخلل في الفهم، كدعوة لإعادة التفكير لا للانتحاب الأبدي. وفي هذا، هو من أكثر من فهموا أن السياسة لا تُقاد بالحزن فقط، بل بالبصيرة.
يرى في الثورة الفلسطينية مشروعًا لا يُقاس بعدد الرصاصات، بل بقدرتها على خلق وعي جديد. على استعادة الفلسطيني لذاته، لا فقط لأرضه. ولهذا، فإن الكتاب كله يمكن قراءته كمرافعة من أجل أنسنة الثورة. أن تظل ابنة الناس، لا متعالية عليهم. أن تظل مشروعًا جماعيًا، لا مِلْكًا لنخبة تحمل السلاح وتنسى لماذا حملته.
والأهم أن صلاح خلف كان يعرف أن أكبر خطر على أي حركة تحرر هو أن تصبح شبيهة بما تحاربه. أن تبدأ بالتحرر وتنتهي بالقمع. أن تتحدث باسم الجماهير وهي تدهسهم. ولهذا فإن كتابه هو، من جهة، سيرة الثورة، ومن جهة أخرى، نقدها. لا لكي يُضعفها، بل لكي يُنقذها من نفسها.
في لحظات كثيرة، تشعر أن الكاتب يُخاطبك أنت، لا القارئ المحايد. يُحمّلك مسؤولية ألا تكون شاهدًا صامتًا. أن تفهم أن الهوية ليست قدَرًا بيولوجيًا، بل قرارًا يوميًا. أن تختار أن تنتمي، أن تناضل، أن تقف.
“فلسطيني بلا هوية” ليس كتابًا عن الماضي فقط، بل عن السؤال المفتوح: كيف نحمي المعنى من التآكل؟ كيف نبقي الذاكرة حيّة دون أن نحبس المستقبل فيها؟ كيف لا يتحول الحق إلى شعار، والشعار إلى تجارة؟
الجواب عند صلاح خلف ليس في الخطابات، بل في التفاصيل: كيف يتعامل الفدائي مع صديقه؟ كيف تُتخذ القرارات؟ كيف نحمي الثورة من الفساد؟ كيف لا نغفل عن أن عدونا الحقيقي ليس فقط هناك، بل أحيانًا يتسلل إلى داخلنا؟
ربما لهذا السبب، اغتيل أبو إياد. لأنه لم يكن فقط يشكل خطرًا على العدو، بل على كل من لم يحتمل مرآته. لأنه كان يُطالب بأن تكون الثورة أخلاقية، قبل أن تكون عسكرية. وأن يكون الفدائي إنسانًا، لا مجرد بزة وسلاح.
وفي هذا، يُعلّمنا الكتاب درسًا لا يُقدّر بثمن: أن تكون ثوريًا، لا يعني أن تحمل السلاح فقط. بل أن تحمل المعنى. أن تدافع عن الكرامة، حتى داخل صفوفك. أن ترفض أن يتحوّل النضال إلى امتياز طبقي أو تنظيم هرمي بلا مساءلة.
نحن نقرأ “فلسطيني بلا هوية” اليوم، لا فقط لأننا نريد أن نعرف ما جرى، بل لأن ما يجري لا يزال يتكرر. ولأن المشروع لم ينتهِ. ولأن فلسطين، كما الهوية، لا تزال مشروعًا مفتوحًا، لا خريطة مغلقة.
هذا الكتاب ليس تأريخًا فقط. إنه نداء. ليس وثيقة، بل مرآة. مرآة تُظهر من نحن، ومن كنا، ومن يجب أن نكون. مرآة لا تُجاملنا، لكنها تُحبنا. مرآة تنتمي إلى جنس نادر من الكتب: تلك التي تُعيد ترتيب دمك.
لذلك، نقف مع صلاح خلف، لا فقط لنبكيه، بل لنتعلّم منه. لنعرف أن الثورة، لكي تكون ثورة، يجب أن تكون أخلاقية أولًا. وأن الهوية، لكي تُحترم، يجب أن تُعاش لا تُرفع. وأن فلسطين، كما الحرية، لا تُستعاد فقط من العدو، بل أحيانًا من بعض حراسها.