مقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية بين الإنجازات والتحديات

عبد الوهاب التدموري

تابعت  بعض  التحليلات حول تطورات ملف الصحراء المغربية وذلك علاقة   بتحول موقف انجلترا في اتجاه الاعتراف  بسيادة  المغرب على  أقاليمه  الصحراوية ضمن إطار الحل القاضي تمتيع هذه الجهة نظام حكم ذاتي.. اضافة إلى كثرة الكلام على  مشروع القانون الذي يصنف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية الذي طرحه كل من السيناتور الجمهورى والديمقراطى على الكونغرس الأمريكي وكأنه انتصار حاسم. وهو المشروع الذي عزا هذا التصنيف إلى العلاقة التي تربط هذه المنظمة بدور إيران “الإرهابي” في الشرق الأوسط وشمال افريقيا دون أن يشير إلى الجزائر كدولة مسؤولة على هذه المنظمة ورعتها تاريخيا.

 كلها  تحليلات  تكرس سردية بسيطة مفعمة بنشوة الانتصار إلى  درجة إيهام  المواطنين والمواطنات بنهاية هذا الملف الذي ارق واستنزف المغاربة لعقود من الزمن. وهي السردية التي يبدو أنها مطلوبة من طرف وسائل الإعلام المغربية علما أنها بعيدة كل البعد عن التحليلات الموضوعية لمقاربة هذه التحولات التي تطرح تعقيدات جديدة إن على مستوى ما يحيل عليه القانون الدولي من تحديات خاصة ما تعلق منها بالمادة 74 من الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة. أو ما  تعلق منها بالصراع  الاستراتيجي بين قوى دولية متحكمة في صنع القرارات الأممية  وهي تتواجد على نفيض من بعضها البعض في أكثر من ملف دولي. أو على مستوى ما تطرحه هذه التحولات من تحديات داخلية في حالة ما إذا افترضنا جدلا أننا قد ربحنا لصالحنا كل مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن واقرت بضرورة اعتماد الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية  كآلية وحيدة للحل. 

إن  طرحي  لهذه الإشكاليات ليس بدافع  تعقيد الأمور أكثر مما هي معقدة. بل فقط لوضع الأسئلة في محلها حتى نستطيع امتلاك رؤية استشرافية أكثر وضوحا لقضيتنا  الوطنية تحسبا لكل  الاحتمالات الممكنة. وفي نفس الآن تفادي السقوط في الانتظارية  والمفاجآت الغير المحسوبة  التي تكمن في  السرديات السطحية و البسيطة.

موقع ملف الصحراء المغربية في القانون الدولي

بالرجوع إلى بعض الوقائع التاريخية نجد أن ملف الصحراء “الغربية” كمستعمرة إسبانية قد تم إدراجه بطلب من المغرب في الأمم المتحدة سنة 1960 باعتباره اقليما لا يتمتع بنظام حكم ذاتي في أفق استرجاعه. هذا في الوقت الذي لم يكن هناك  من ينازعه على حقه في بسط سيادته على الصحراء.  

لكن خطأ المغرب حينها انه لم يعمل على موازاة هذا المجهود الدبلوماسي الأممي بالعمل ميدانيا على إطلاق يد جيش تحرير الجنوب لمواجهة التواجد العسكري الإسباني. وهو الجيش الذي كان مستعدا لاستكمال عملية تحرير كامل التراب الوطني  قبل أن تتم إبادته في العاشر من  فبراير 1958 في معركة  ايكوفيون  من طرف  الجيشين  الفرنسي والإسباني وذلك بتوافق تام مع الدولة المغربية الحديثة العهد بالاستقلال، و بعض القيادات النافذة في الحركة الوطنية المتخوفة من  هذا الجيش  الذي رفض إلقاء السلاح والانخراط في الجيش الملكي إلى حين استكمال عملية التحرير. وذلك بعد أن اعتبر استقلال المغرب ناقصا. 

إن هذا المسلك الخاطئ  الذي سلكته الدولة تجاه عناصر جيش التحرير سواء في الشمال أو في  الجنوب هو ما يؤدي  ثمنه المغاربة  لحد الان. وهو من أوصلنا لمرحلة السبعينات. 

في السياق نفسه يمكننا القول كذاك أن  أواسط السبعينات عندما بدأ يشهد ملف الصحراء في الأمم المتحدة منحى مغاير بظهور أطراف محلية وإقليمية وقارية متأثرة إما  بظروف الحرب الباردة أو مصالح ذاتية  مطالبة بانفصال هذه الأقاليم عن المغرب  و بحق تقرير مصير الشعب الصحراوي  الذي تضمنه القرار الأممي  رقم 37/ 34…الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة  سنة 1979 الذي  ذكر بدوره بهذا الحق الغير القابل للتصرف لشعب الصحراء الغربية المتضمن  في   القرار الأممي 14 /15 الصادر أواخر دجنبر من سنة 1960 وذلك حتى قبل استقلال الجزائر و تأسيس البوليساريو  والذي من خلاله تم إدراج الملف  لأول مرة في اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار سنة 1963.

و في سياق نفس التطورات المتلاحقة للملف سيتم تعزيز هذا الحق  الذي تضمنته القرارات السابقة سنة 1981 حين قبل الملك الراحل الحسن الثاني بمبدأ الاستفتاء الأممي  كآلية لإعمال مبدأ حق تقرير المصير في منطقة الصحراء وهو ما عارضته أنذاك بعض القيادات الحزبية في الاتحاد الاشتراكي باعتباره خطأ فادحا.

أمام  كل هذه التطورات التي شهدها  ملف الصحراء و كذا الكم الكبير  للقرارات الأممية الصادرة في شأنه. إضافة إلى التعقيدات التي تشهدها العلاقات الدولية التي تتسم  واستقطابات حادة على أسس  سياسية واقتصادية ولن أقول ايديولوجية أبقت على  المغرب كمطالب بحقه في السيادة على أراضيه  و  الجزائر كبلد جار  داعم للانفصال في  موقعي نقيض وصراع. رغم انتفاء الأسباب الايديولوجية لمرحلة الحرب الباردة..

كل هذا يدفعنا إذن إلى استحضار الصعوبات العملية لإخراج هذا الملف من أروقة  الأمم المتحدة خاصة من  اللجنة الرابعة التي تؤطرها  المادة 73 و المادة 74  من الفصل الحادي عشر من ميثاق الأمم المتحدة. وهي المواد التي تشترط في السحب المقرون بمقترح الحكم الذاتي كآلية سلمية للحل تصويت ثلثي أعضاء الجمعية العامة لصالحه. ومن ثم رفعه إلى مجلس الأمن من أجل إقراره  نهائيا .وهو ما  يتطلب  تصويت جميع الأعضاء الدائمين  لصالح  مقترح  الحكم الذاتي  دون أي فيتو وذلك حتى يكون ملزما، مع الإبقاء على حق المجلس في   الإشراف على تنفيذه بتوافق بين  جميع الأطراف الدولية والمحلية.   

 تأثير اعترافات بعض الدول الدائمة العضوية وغيرها  على ملف الصحراء المغربية

صحيح أن عملية تأييد مقترح الحكم الذاتي بالأقاليم  الصحراوية، بعد أن استحال تطبيق مقترح الاستفتاء،  بدأت تتسع لتشمل دول كثيرة بلغت حسب تصريح وزير الخارجية المغربي أكثر  113 دولة. هذا إضافة الى تأييد المقترح من طرف ثلاثة أعضاء دائمين في مجلس الأمن يعد تقدما نوعيا  في مسار هذا الملف الذي بقي عالقا لأكثر من خمسة عقود. لكن وانطلاقا من نفس  الإحصائيات ألا يمكن القول أن الوقت قد حان للاشتغال على  مشروع سحب الملف من اللجنة الرابعة أمام الجمعية العامة  للأمم المتحدة  وطرحه للتصويت  كخطوة أولى نحو الحل. وفي نفس الآن اختبار النوايا الحقيقية للدول التي اعترفت بحل الحكم الذاتي كآلية وحيدة لحل النزاع في الصحراء. هل هي اعترافات مبدئية؟ أم فقط اعترافات تمليها مصالح آنية  خاضعة لتقلبات الصراع الدولي؟   

مشروع القانون الأمريكي تصنيف البوليساريو منظمة إرهابية

ان طرح المشروع من طرف كل من السيناتور الجمهوري جو ويلسون والديمقراطي بانيتا، المشهود لهما بالولاء المطلق للكيان الصهيوني، على الكونغرس الأمريكي يعد  في ظاهره عملا مهما يخدم استراتيجيا القضية الوطنية   حتى وإن لم يتم إقراره. لكن بالوقوف عند  النوايا الخفية للنائبين المتمثلة في الإبقاء على المغرب في الدائرة الأمريكية الإسرائيلية  وابعاده عن  كل من إيران وروسيا باعتبارهم أعداء رئيسيين لأمريكا واسرائيل، وذلك  بعد أن فشلت أمريكا في الضغط على دول الخليج للسير في هذا المنحى خاصة بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة. وهو ما نستنتجه كذلك من التحليل الذي بني عليه المشروع الذي ربطوه  بإيران  وحزب الله و روسيا  الداعمين ” للإرهاب” ويسعون  إلى إيجاد موطىء قدم في المنطقة الشمالية الغربية لأفريقيا ودول الساحل الإفريقي وزعزعة استقرار المغرب حسب نص المشروع.  معتمدين في ذلك  على صور تعود إلى سنة  1980  تظهر بعض عناصر الجبهة مع الإمام الخميني.  

تقرير أنجزته جون أفريك الفرنسية تتحدث فيه عن تواجد ثلاثة ضباط مدربين في مخيمات تندوف من ضمنهم أحد الضباط الذين شاركوا في الهجوم على ثكنة عسكرية أمريكية في كربلاء سنة 2007 راح ضحيته خمسة جنود أمريكيين.  والذي  تم اغتياله في غارة جوية إسرائيلية على سوريا سنة  2023 الخ ..  هذا  في الوقت الذي  تجنب فيه  الحديث عن الجزائر كدولة  راعية وحاضنة وممولة  لجبهة البوليساريو  التي يصنفها  نفس المشروع بالمنظمة الإرهابية وذلك منذ عقود..بالتالي فإن الأسباب الكامنة وراء تقديم هذا المشروع يمكن أن ينطبق عليها المثل القائل إذا ظهر السبب بطل العجب.

بالتالي فإن هذا المشروع الذي  يستحيل  تمريره في الكونغرس لا يضيف أي   إنجاز في مسار الحل المطلوب لملف الصحراء. كما أنه يزيد في تعقيد الملف إن أخذنا بعين الاعتبار تطورات الصراع الدولي وتداعيات مثل هكذا قرار على المفاوضات المطلوب إجراؤها بين مختلف أطراف النزاع بما فيهم جبهة البوليساريو وحركة صحراويون من أجل السلام.  

التحديات  الداخلية للمغرب  لحل الحكم الذاتي كصيغة مقبولة أمميا

لن اتطرق إلى  مقترح الحكم الذاتي الذي سبق أن طرحه المغرب  لأن الوثيقة التي تم تقديمها تهم فقط خطوطا عريضة عامة. ولأن  مناقشة التفاصيل من اختصاص اللجنة المشتركة التي ستجمع، إن تم التوافق على ذلك طبعا،  مختلف أطراف النزاع  برعاية أممية التي  ستوكل  لها مهمة مناقشة المقترح وحجم الصلاحيات التي ستتمتع بها الجهة المعنية بالحكم الذاتي.

لكن ما هو ثابت في المقترح هو أن شكل نظام الحكم في الجهة لن يكون على شاكلة  الجهوية المتقدمة المعمول بها حاليا على كامل التراب الوطني. بل ستكون عبارة عن جهوية سياسية بحكومة محلية وبرلمان جهوي. وهو ما سيطرح إشكالية دستورية  سواء بالعلاقة مع شكل الدولة المعمول بها حاليا في المغرب المتمثل في نموذج الدولة المركزية الموروث عن الحقبة الاستعمارية بما استتبعه من  نظام حكم مركزي. وهو ما لن يستقيم مع مقترح الحكم الذاتي في جهة الصحراء الغربية الذي سيفرض إعادة النظر في شكل الدولة والحكم .علما أن الاستثناء سيشكل حالة  تمييزية  بين المغاربة وباقي جهات الوطن. إضافة  إلى ما قد يثيره هذا التمييز من حساسية مفرطة لدى ساكنة الصحراء تعزز لديهم الإحساس بالاختلاف عن باقي المغاربة و تدفعهم مستقبلا الى المطالبة بالانفصال من جديد وذلك ما لم يندرج هذا الحل ضمن تعاقد سياسي ودستوري يشمل  جميع المغاربة.  

 إن هذه الإكراهات  تقتضي  نموذجا  مختلفا لشكل الدولة ونظام الحكم  الحالي   الذي عليه واجب الانتقال إلى نظام حكم قائم على مفهوم الدولة المركبة والاطونوميات  الجهوية.  

كما أن المجال الترابي المعني بالحكم الذاتي  الذي  يشكل ثلث المساحة الإجمالية للمغرب  يعد  اختلالا  صارخا في التقسيم  بالمقارنة مع باقي الجهات الترابية للمغرب. وهو ما  يتطلب  إعادة النظر  في التقسيم الترابي الحالي وتقليص عدد الجهات  إلى ما لا يزيد عن ستة يستحضر في تقسيمها مفهوم ألكسندر موان للتراب. هذا بالإضافة إلى ما تقتضيه  مبادرة الحكم الذاتي  من خلخلة للممارسة  السياسية في المغرب والمشهد الحزبي الذي تمحور تاريخيا حول المفهوم المركزي للتنظيم والدولة. وراكمت نخبة مصالح سياسية واقتصادية من داخل هذا  النظام  إلى  درجة أنها أصبحت معيقة لأي تحول يستجيب للتحديات المستقبلية التي تقتضي بالإضافة إلى ما سبق تعديلا  دستوريا، يرخص لتأسيس أحزاب جهوية  لها حق المشاركة في إقرار و تنزيل السياسات العمومية جهويا و وطنيا. 

ان  تطبيق مقترح الحكم الذاتي بجهة الصحراء لن يجيب على أشكال ترابي فحسب. بل  سيشكل بالضرورة  إعلانا صريحا  لنهاية الشكل المركزي للدولة والحكم بالمغرب وهو الشكل الذي استنفذ شروط قيامه التاريخية وبات من الضروري الانتقال إلى شكل جديد للدولة والسلطة يستجيب للتحديات المستقبلية في شقها الترابي والتنموي والممارسة السياسية الديمقراطية.       

  

د تدمري عبد الوهاب 

طنجة في 12 يوليو  2025