أثار كتاب الفيلسوف الكندي ألن دونو عن “نظام التفاهة” La mediocratie منذ صدور طبعته الأولى باللغة الفرنسية سنة 2015، موجة من التساؤلات التي ظلت مؤجلة، رغم انتشار هذه الظاهرة في مختلف دواليب تدبير الشأن العام، من طرف أولئك الذين تمكنوا عن طريق المال وشراء الذمم من احتلال المناصب المتحكمة في تحديد مصير الإنسان، دونما اعتبار لأي وازع أخلاقي أو معيار إنساني، وقد اتسعت دائرة هذا النظام الجائر في المجتمعات الرأسمالية، لتشمل فرض سيطرة وحشية بقوة السلاح والدمار والإبادة على شعوب آمنة، لا ذنب لها سوى أنها تطالب بحقها في الحياة، وتناضل في سبيل هذا الحق، رغم الصمت المريب واللامبالاة من طرف من باستطاعتهم الحد من هذه الغطرسة التي ستجعل كل الدول الفقيرة لا محالة تحت رحمة هذه النزعة الاستبدادية التوسعية، ما دامت تتحكم فيها أنظمة فاسدة متواطئة.
إن التعريف الأولي لهذا النظام كما حدده هذا المفكر الكندي الذي سارت باسمه الركبان، يتمثل في أنه “حالة مجتمعية تسيطر فيها الرداءة والتفاهة على مختلف جوانب الحياة، حيث يتم مكافأة الأشخاص التافهين والسطحيين بدلاً من المجتهدين”، وكأنه بذلك يتمثل بوعي ثاقب وضعية أنظمة فاسدة، ترزح تحت نيرها الغاشم الظالم معظم الدول العربية المنبطحة لإملاءات أمريكا وصنيعتها المدللة في قلب الشرق الأوسط، والتي ستظل متحكمة عن طريق قوة السلاح والقصف والدمار لإعادة “ترتيب” خارطة هذه المنطقة حسب مصالحها وأطماعها التوسعية الاستعمارية.
فبأي وجه يمكن للمرء أن يتحدث عن ظاهرة التفاهة في بلادنا، ونحن نشاهد بمرارة تقطع أوصال الكبد، هذا الرهط الزاحف إلى تحقيق أغراضه الشخصية بكل أساليب النصب والاحتيال، كيف “يحتل” بعناد وقلة حياء واجهات وكراسي تدبير شؤون البلاد والعباد؟، بل إن الأدهى والأمر أن يمتد ذلك إلى أحزاب “تقدمية” نخشى أن تتواطأ مع الفساد والمفسدين من أجل دخول كاريكاتوري مضحك حلبة الاستحقاقات القادمة، لخوض نزالات بفريق “ذوي الاحتياجات الخاصة”، لتظل بذلك دار لقمان على حالها.
وكعادتي في هذا الزائد الناقص، فإن خيط أمل نتركه متسللا من كوة ضيقة، يجعلنا متفائلين بقرارات حاسمة نكنس بها مخلفات هذا الرهط الفاسد المفسد، لضمان إقلاع تنموي فاعل، وما ذلك على الله بعزيز.

