بطالة الخريجين في المغرب: “مستقبل مجهول” يواجه عشرات الآلاف من الشباب

بطالة الخريجين

مع إسدال الستار على السنة الجامعية 2025، يجد عشرات الآلاف من خريجي الجامعات المغربية أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ ومستقبل مهني يلفه الغموض. فبعد سنوات من التحصيل العلمي على أمل بناء مستقبل واعد، يصطدمون بجدار البطالة، لينضموا إلى طوابير العاطلين في ظاهرة تفاقمت لتصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه استقرار المجتمع المغربي.

وفي بلاغ شديد اللهجة، حذرت المنظمة الديمقراطية للشغل من خطورة الوضع، مشيرة إلى أن “مستقبلا مجهولا” بات يهدد طاقات الأمة الشابة، في ظل سياسات حكومية لا ترقى إلى حجم الأزمة.

أرقام مقلقة وواقع مرير

تعكس الأرقام الرسمية عمق الأزمة، حيث تشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل البطالة الإجمالي في المغرب بلغ 13.3% خلال عام 2024. وتصبح الصورة أكثر قتامة عند النظر إلى فئة حاملي الشهادات الجامعية، إذ يقفز المعدل بينهم إلى حوالي 24.4%، وترتفع هذه النسبة بشكل خطير لتصل إلى 33.3% في صفوف النساء الجامعيات، مما يكشف عن تمييز مضاعف يعانين منه في سوق الشغل.

الأخطر من ذلك، تؤكد الإحصائيات أن ما يقارب 70% من خريجي التعليم العالي لا يتمكنون من الحصول على فرصة عمل إلا بعد مرور خمس سنوات على تخرجهم. هذا الواقع المرير يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى فعالية المنظومة التعليمية وقدرتها على مواكبة متطلبات سوق الشغل المتغيرة.

تشخيص الأسباب: سياسات فاشلة وفجوة هيكلية

بحسب تشخيص المنظمة الديمقراطية للشغل، تعود أسباب تفاقم هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها:

  • فشل البرامج الحكومية: انتقدت المنظمة ما وصفته بـ “الانصياع لتوصيات المؤسسات المالية الدولية” التي تحد من التوظيف في القطاع العام، مقابل الاعتماد على قطاع خاص يعاني من الهشاشة وضعف سياسات الاستثمار، وغير قادر على خلق فرص عمل كافية ولائقة.
  • هشاشة النمو الاقتصادي: يهيمن على النسيج الاقتصادي الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك القدرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين سنوياً.
  • فجوة بين التعليم والسوق: على الرغم من تعدد التخصصات الجامعية، لا تزال هناك فجوة كبيرة بين المهارات التي يكتسبها الطلاب ومتطلبات سوق العمل الفعلية. وقد أكد تقرير للبنك الدولي هذا المعطى، مشيراً إلى عدم رضا 70% من الأسر المغربية عن جودة التعليم الجامعي.
  • برامج ترقيعية: وجهت المنظمة انتقادات حادة لوزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والابتكار، معتبرة أن برامجها، مثل برنامج “فرصة” المستوحى من تجربة مصرية، لم تحقق أهدافها رغم الميزانيات الضخمة المخصصة لها.

خريطة طريق للخروج من الأزمة

في مواجهة هذا الوضع المقلق، قدم المكتب التنفيذي للمنظمة، برئاسة كاتبه العام علي لطفي، مجموعة من المطالب العاجلة التي تشكل خريطة طريق لمعالجة الأزمة من جذورها:

  1. مراجعة جذرية لسياسات التشغيل: دعت المنظمة إلى وضع استراتيجية وطنية متكاملة لخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة، وسد العجز الهائل في الوظيفة العمومية والإدارات الترابية الذي يقدر بنحو 500 ألف منصب.
  2. إصلاح منظومة التعليم العالي: شددت على ضرورة تحديث المناهج لربطها باحتياجات السوق، مع التركيز على المهارات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الشراكات بين الجامعات والقطاعين العام والخاص.
  3. دعم ريادة الأعمال: طالبت بتوفير تمويل ميسر وعدالة ضريبية وتسهيلات إدارية لتحفيز الشباب على تأسيس مشاريعهم الخاصة ودعم المقاولات الصغرى والمتوسطة.
  4. تحفيز الاقتصاد الوطني: عبر توجيه الاستثمار نحو القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة العالية كصناعة السيارات والطاقات المتجددة والتكنولوجيا.
  5. حماية الخريجين: من خلال إقرار تعويض عن البطالة للخريجين في إطار التأهيل المهني، وتعزيز عقود ما قبل التشغيل، وتسهيل معادلة الشهادات الأجنبية لتشجيع عودة الكفاءات المغربية من الخارج.

كما دعت المنظمة الحكومة إلى إعادة هيكلة الوزارة المكلفة بالتشغيل، وتحميلها مسؤولية وضع أهداف تنموية واضحة وقابلة للقياس، بالتنسيق مع كافة القطاعات المعنية، محذرة من الاستمرار في “سياسات ترقيعية تهدر طاقات الشباب وتزيد من إحباطهم”.

وفي ختام بلاغها، جددت المنظمة الديمقراطية للشغل التزامها الراسخ بالدفاع عن حق شباب المغرب في الحصول على عمل لائق، داعية إلى تضافر جهود كافة الفاعلين لمواجهة هذه المعضلة الوطنية التي لا تهدد مستقبل جيل بأكمله فحسب، بل تهدد النسيج الاجتماعي للبلاد.