أُطلق أنبوب الغاز إفريقيا الأطلسي (نيجيريا – المغرب) بمبادرة من المغرب في دجنبر 2016، بمناسبة زيارة الملك محمد السادس إلى نيجيريا، وقد قدرت كلفته بـ25 مليار دولار، وسيُربط المغرب بنيجيريا عبر الواجهة الأطلسية، مارا بـ13 دولة قبل أن يصل إلى أوروبا.
بول أمارا، مستشار بمركز Centre4s

بطول يناهز 5600 إلى 6800 كلم، سيُؤمن هذا الأنبوب الأمن الطاقي لهذه الدول الساحلية و”تحالف دول الساحل” (AES). ومن الأمثلة، أنبوب الغاز الشهير North Stream 2 الذي يربط روسيا بألمانيا على امتداد 1234 كلم وبعرض 48 إنش. ويوجد في العالم ما يناهز 3.859.000 كلم من أنابيب الغاز تنقل 5 تريليونات طن من الغاز.
سيكون لخط أنبوب الغاز إفريقيا الأطلسي قدرة على نقل 30 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، ومن المتوقع أن تبدأ أولى الشحنات في الوصول سنة 2029. ويعد هذا المشروع نموذجا للتعاون جنوب – جنوب، وسيوفر للاتحاد الأوروبي بديلا أو مكملا للغاز الروسي. كما يندرج ضمن “المبادرة الأطلسية”، وهي مشروع مغربي آخر يهدف إلى تمكين بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، وتشاد من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
مشروع منافس.. “أنبوب الغاز العابر للصحراء”

للمشروع منافس إقليمي مباشر: أنبوب الغاز العابر للصحراء، نيجيريا – الجزائر (NIGAL)، ويُعرف أيضا باسم Trans-Saharan Gas-Pipeline (TSGP)، ومن المفترض أن يربط نيجيريا بالجزائر بدءًا من عام 2027 لتصدير الغاز الطبيعي نحو أوروبا. تعود فكرته إلى ثمانينيات القرن الماضي، لكن الاتفاق لتنفيذه لم يُوقَّع إلا في 3 يوليوز 2009 من طرف حكومات نيجيريا والجزائر والنيجر، بعد 30 سنة. وكانت أوروبا ترحب به لتعزيز تنويع مصادر الغاز.
البلدان المعنيان أكدا امتلاكهما للتمويل. وخلال القمة الاستثنائية الـ27 للاتحاد الإفريقي في 17 و18 يوليوز 2016 بكيغالي (رواندا)، أعلن نيجيريا أن رأسمال المشروع سيكون بنسبة 90% لشركة سوناطراك الجزائرية وNNPC النيجيرية، و10% لشركة النفط الوطنية في النيجر. اليوم، يبدو أن المشروع مجمَّد.
تأخر دام ثلاثين سنة
الإشكال يكمن في نيجيريا ذاتها: دلتا النيجر في نيجيريا تغزوها جماعات إرهابية تقوم بتخريب المنشآت وسرقة النفط، شمال النيجر يعاني من تمردات مسلحة، وجنوب الجزائر الصحراوي كذلك تحت تهديد الجماعات الإرهابية. آخر أخبار المشروع تعود إلى 28 يوليوز 2022، في الاجتماع الثالث بين الجزائر والنيجر ونيجيريا. وقد تم حينها توقيع مذكرة تفاهم، مدفوعة بارتفاع أسعار المحروقات بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية. وقتها، كانت الجزائر توفر 11% من الغاز الأوروبي مقابل 47% من روسيا. لكن انقلاب النيجر في 26 و27 يوليوز 2023، وما تبعه من عقوبات، وجّه ضربة قاسية للمشروع.
وفي 2016، وإدراكا لهذا التأخر، اقترح الملك المغربي مشروع أنبوب الغاز إفريقيا الأطلسي، وجرى التوقيع على أول اتفاق نهاية 2016. ووافق لاحقا الحكومة الفيدرالية النيجيرية على توقيع بروتوكول بين NNPC والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS). ويُعد المشروع امتدادًا لخط غاز يعمل منذ 2010، يربط جنوب نيجيريا ببنين وغانا والتوغو.
نيجيريا والجزائر تمتلكان أكبر احتياطيات الغاز في إفريقيا. ففي 2024، بلغ احتياطي نيجيريا 210 تريليون قدم مكعب، الجزائر 159 تريليون، والمغرب 39 مليار. أما في النفط، تحتل نيجيريا المرتبة الثانية في القارة بـ36.9 مليار برميل (35% من الاحتياطي الإفريقي، و80% من احتياطي إفريقيا جنوب الصحراء)، والجزائر المرتبة الثالثة بـ12.2 مليار برميل.
رهانات أنبوب الغاز
الرهانات تتوزع بين السياسي والاقتصادي والجيوستراتيجي. فكثير من الدول الإفريقية لا يتجاوز معدل التزود بالكهرباء فيها 40%. نيجيريا نفسها تعاني من انقطاعات مزمنة، مما يدفع السكان لاستخدام مولدات ملوثة ومكلفة. سيمكن الأنبوب هذه الدول من إنتاج كهرباء حرارية بالغاز الطبيعي، مما سيعزز الإنتاجية الاقتصادية. كما سيستفيد القطاع الزراعي عبر إنتاج الأسمدة، التي ارتفعت أسعارها مع الحرب الأوكرانية.
يقدم المغرب ونيجيريا المشروع كمحرك للاندماج الاقتصادي في غرب إفريقيا، وسينضاف إلى شبكة أنابيب صغيرة تزود أوروبا عبر البحر المتوسط. أما الصين، المستثمر في صناعة النفط النيجيرية، فتسعى إلى دمجه مع مبادرتها “الحزام والطريق” لإقامة روابط اقتصادية وسياسية وثقافية عالمية. وروسيا بدورها مهتمة، لأنه يوفر لها منفذا للالتفاف على العقوبات الغربية.
تحديات التمويل
يواجه المشروع تحدي التمويل، فبموارد أقل من الجزائر، يسعى المغرب للريادة في هذا القطاع، من خلال دعم الاستثمارات الخارجية لتجاوز الإطار الوطني نحو الإقليمي. كما يعزز علاقاته البينية لتلبية حاجات المستهلكين. وقد نوهت منصة “طاقة” الإماراتية المتخصصة بهذه الجهود، وأدرجت المشروع ضمن أهم سبعة مشاريع طاقية في القارة، تشمل أنابيب نفط وغاز وربط كهربائي واستغلالات منجمية. فهل تُشارك “طاقة” في تمويل المشروع؟ إن حدث ذلك، سيكون إنجازًا ماليًا ودبلوماسيًا.
وتقدر كلفة المشروع بـ25 مليار دولار، ومن المفترض أن يُتوصل إلى اتفاق تمويلي خلال هذا العام. وتشكل “مرحلة القرار الاستثماري النهائي” خطوة ضرورية لانطلاق البناء. وسيتم فتح رأسمال المشروع أمام صناديق سيادية، وبنوك تنمية وتجارية، وشركات طاقة كبرى.
في مارس 2024، أعلنت السيدة أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن (ONHYM)، عن تأسيس شركة لتدبير التمويل والبناء والاستغلال، وأكدت أن دراسات الجدوى والهندسة التفصيلية أُنجزت في مرحلتين، وبدأت دراسات الأثر البيئي سنة 2024.
سيعتمد الأنبوب مسارا بحريا (Offshore) إلى الداخلة، ثم يتبع الساحل الأطلسي بريّا (Onshore) ليتصل بأنبوب المغرب – أوروبا المغلق منذ سنوات، وسيمر عبر بنين، التوغو، غانا، ساحل العاج، ليبيريا، سيراليون، غينيا، غينيا بيساو، غامبيا، السنغال، وموريتانيا، وستستفيد دول AES من المشروع عبر فروع مخصصة، كما يعتبر امتدادا لمشروع لاغوس – تاكارسلي (غانا) مرورا ببنين والتوغو وصولا إلى أبيدجان وطنجة عبر الساحل.
من طنجة، سيعبر الأنبوب مضيق جبل طارق إلى قاديس (إسبانيا)، حيث سيلتقي مع أنبوب الغاز المغرب – الجزائر – إسبانيا، وقد أُنجزت دراسة جدوى في 2017 و2019 من طرف شركتي المشروع: الشركة الوطنية للنفط النيجيرية ومجموعة المكتب الشريف للفوسفاط.
وبحسب بنخضرة، تثبت المعطيات المتوفرة تنافسية المشروع مقارنة بالغاز الطبيعي المسال، من حيث الكلفة والقدرة والنقل، وستنطلق المرحلة الأولى من السنغال – موريتانيا نحو المغرب وأوروبا، توازيها المرحلة الثانية التي ستربط نيجيريا بساحل العاج، وهاتان المرحلتان ستدخلان الخدمة سنة 2029.
المرحلة الثالثة ستتعلق بالربط المركزي بين المقاطع الثانوية. وفي نونبر 2024، أعلن المغرب عن إطلاق طلبات عروض لتسريع الإنجاز، ما يعكس رغبته في تحويل السوق الطاقية في المنطقة.
خلفية سياسية وإقليمية
في 12 نونبر 1984، انسحب المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية احتجاجا على اعترافها بكيان “صحراوي”، وفي قمة الاتحاد الإفريقي الـ28 بأديس أبابا يومي 30 و31 يناير 2017، أعلن الملك محمد السادس “انطفاء شعلة اتحاد المغرب العربي”، الذي ضم الجزائر، ليبيا، المغرب، موريتانيا، وتونس. ثم قدم المغرب رسميا طلب انضمام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO) في 12 فبراير من العام نفسه، وقد حصل فقط على “موافقة مبدئية” و”وضع مراقب”.
باستثناء موريتانيا وثلاثي AES، فكل الدول المعنية بأنبوب الغاز أعضاء في CEDEAO. فهل يُحاول المغرب دفع المجموعة إلى القبول به من خلال تطويق استراتيجي لأعضائها؟
بعيدا عن تهديدات الإرهاب في منطقة الساحل، يُنتظر أن يشكّل أنبوب الغاز إفريقيا الأطلسي عامل تنمية استثنائي، ويستحق كل الدعم المالي والدبلوماسي لذلك.
نقلا عن “موند أفريك“، وبالاتفاق معه

