حين يرمي المخزن أوراقه المحروقة… نهاية الأحرار كأداة للهيمنة

أبو علي بلمزيان

من يتابع دينامية السلطة في المغرب يعرف أن المخزن لا يتحرك بعشوائية، ولا يفرّط في أدواته إلا حين تتحول من أوراق رابحة إلى عبء استراتيجي يهدد استقرار منظومته نفسها. ما حدث مع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي كان قبل سنوات قليلة حصان المخزن المفضل في سباق الانتخابات، ليس انفعالاً عاطفياً ولا صحوة ضمير فجائية، بل هو حساب بارد قائم على ميزان الربح والخسارة في لعبة التحكم السياسي. فالمخزن، وهو يراقب المشهد من علٍ، اكتشف أن استمرار هذا الحزب على رأس الحكومة بعد كل ما أفرزته سياساته من خراب اجتماعي واقتصادي، قد يتحول إلى كارثة مضاعفة، ليس على الشعب فحسب، بل على قدرة السلطة على إعادة إنتاج شرعيتها الشكلية.

فالمخزن لم يفضّ تحالفه مع الأحرار من منطلق معارضة برامجه النيوليبرالية أو رفض اختياراته الطبقية المنحازة للأقلية الثرية، لأنه هو نفسه صانع هذه الخيارات وراعيها التاريخي. لكنه تحرك حين صار واضحاً أن هذا الحزب، بقيادته الغارقة في الجشع السياسي والاقتصادي، قد استنزف رصيده بالكامل، ولم يعد قادراً على لعب الدور المطلوب في إقناع الجماهير بجدوى اللعبة الانتخابية. أي أن الورقة التي كانت مفيدة لضمان انتقال التحكم بسلاسة، تحولت فجأة إلى عبء يسرّع اهتراء واجهة الديمقراطية المعلبة، ويفضح، حتى أمام أكثر السذج، أن الانتخابات ليست سوى تبادل منظم بين وجوه مختلفة لنفس السياسات المدمرة.

لقد كان من المتوقع، عند بداية الولاية الحالية، أن يستثمر الأحرار آلة السلطة والإعلام ورؤوس الأموال المتحالفة، لتكريس حضورهم لعقد أو أكثر، في سيناريو شبيه بما وقع مع حزب العدالة والتنمية في العقد السابق. لكن غرور القيادة السياسية للحزب، وعلى رأسها رئيس الحكومة، عجل بانهيار هذه الخطة. فالسياسات التي اعتمدت منذ اليوم الأول كانت نيوليبرالية متوحشة بلا مساحيق: رفع للدعم، تحرير غير متحكم فيه للأسعار، غياب إرادة لتقوية الإنتاج الوطني، التوسع في الاقتراض الخارجي، وتكريس اقتصاد الريع والاحتكار لفائدة شبكات المال الكبرى المتداخلة مع المصالح الحزبية. النتيجة كانت كارثية: غلاء فاحش يضرب القدرة الشرائية، بطالة متفاقمة خصوصاً بين الشباب، اتساع رقعة الفقر والهشاشة، وتفاقم الفوارق الاجتماعية والمجالية إلى حد تكريس “سرعتين” في المغرب: مغرب قلة مترفة ومغرب الأغلبية الكادحة.

من زاوية حسابات المخزن، كل هذا لم يكن في البداية مشكلة، ما دام بالإمكان ضبط الغضب الشعبي عبر شبكات الزبونية والإعلام الموجه. لكن ما حدث هو أن الارتباك الحكومي والعجز عن تقديم حتى الحد الأدنى من الوعود، جعل السخط الاجتماعي يتسع ويتجذر، ووصل إلى فئات لم تكن يوماً في قلب الاحتجاجات. هنا بدأ الخطر، لأن استمرار هذا الحزب في الواجهة لعام إضافي، مع اقتراب الانتخابات، كان يعني أن أي محاولة لإعادة إنتاج مشهد سياسي متحكم فيه ستصطدم بعزوف واسع وربما حتى بانفلاتات غير متوقعة. المخزن يعرف أن الواجهة الديمقراطية الشكلية تحتاج بين الفينة والأخرى إلى عملية “تجميل” حتى تبقى قابلة للتسويق داخلياً وخارجياً، وهذا التجميل مستحيل إذا استمر الأحرار كرمز للفشل والفساد السياسي.

الذكاء البارد للمخزن أدرك أن منح الأحرار فرصة ثانية للعودة إلى رئاسة الحكومة سيكون وبالاً مضاعفاً. فمن جهة، هم لم يعودوا يملكون شرعية شعبية حتى داخل قواعدهم، ومن جهة أخرى، أي ولاية جديدة ستفرض عليهم اتخاذ إجراءات أكثر قسوة تحت ضغط المديونية والعجز، ما يعني تفجير موجة غضب يصعب التحكم فيها. وهنا جاء القرار: التضحية بالأحرار في الوقت المناسب، قبل الانتخابات بعام، حتى يتسنى إعادة ترتيب الأوراق، وصناعة بديل حزبي أو ائتلاف جديد، أكثر قابلية للابتلاع من طرف الرأي العام، حتى وإن كان سيحكم بنفس الأدوات والسياسات.

لكن قراءة يسارية راديكالية للمشهد تفرض القول إن المشكلة ليست في الأحرار وحدهم، بل في البنية العميقة للنظام السياسي الذي يستخدم الأحزاب كأدوات قابلة للاستبدال، دون أن يغير من جوهر الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على نهب الثروات العمومية وتفكيك الخدمات الاجتماعية. فإبعاد الأحرار ليس انتصاراً للجماهير، بل إعادة انتشار تكتيكية لسلطة ستواصل، عبر وجوه جديدة، نفس المسار النيوليبرالي الذي فاقم التبعية للخارج وأفرغ مفهوم السيادة الاقتصادية من أي مضمون. وهذا ما يجعل معركة اليسار الجذري، ومعه كل القوى الشعبية الصادقة، ليست مع حزب بعينه، بل مع البنية المتحكمة التي تنتج هذه الأحزاب وتحدد سقف حركتها.

إن استبدال الأحرار في الواجهة قد يعطي انطباعاً بحدوث تغيير، لكنه في الجوهر لا يعدو أن يكون إعادة تزيين للواجهة بنفس المواد الفاسدة. المخزن يعرف أن ذاكرة جزء من الجماهير قصيرة، وأن بعضهم قد يقتنع بأن المشكلة كانت في الحزب لا في المنظومة، فيمنح الثقة لوجه جديد لا يلبث أن يسير على نفس الطريق. هذه الدورة المفرغة هي جوهر الاستراتيجية التي مكنت المخزن من البقاء مهيمناً لعقود، رغم فشل السياسات المتكرر. لكن هذه المرة، هناك مؤشرات على أن الأزمة أعمق: فالمجتمع لم يعد كما كان، والشباب الذي عاش العقدين الأخيرين صار أكثر وعياً بحدود اللعبة، وأكثر تشككاً في شعارات الإصلاح من الداخل.

من هنا، فإن التحليل الماركسي للواقع يفرض ربط ما يحدث بميزان القوى الطبقي: الأحرار لم يسقطوا لأن سياساتهم جائرة، بل لأنهم صاروا عاجزين عن إدارة تلك السياسات بكفاءة لصالح الطبقة السائدة. هذا هو جوهر قرار المخزن، وهو ما يفسر سرعة تخلّيه عنهم رغم كل ما استثمره في صعودهم. وبقدر ما يجب على القوى التقدمية أن تفضح هذا المنطق، بقدر ما يجب أن تحذر من الوقوع في فخ الترويج لوهم التغيير عبر إعادة ترتيب نفس الأدوات. فالمعركة الحقيقية ليست في صناديق الاقتراع التي تتحكم فيها السلطة، بل في بناء قوة اجتماعية وسياسية مستقلة، قادرة على فرض برنامج بديل من خارج منظومة التحكم، برنامج يضع حاجات الشعب قبل أرباح الشركات والبنوك.

إن المخزن، وهو يرمي اليوم بورقة الأحرار، يرسل رسالة لكل أدواته: الولاء وحده لا يكفي، فحين تتحول إلى عبء على الاستقرار الشكلي للنظام، سيتم التخلص منك بلا تردد. لكن الرسالة الأهم، التي يجب أن يلتقطها الشعب، هي أن أي حزب يقبل أن يكون أداة في يد السلطة، مهما بدا قوياً، مصيره أن يُستهلك ثم يُرمى، دون أن يتغير في الجوهر شيء من سياسات الإفقار والتبعية. وهذا ما يجعل لحظة سقوط الأحرار فرصة سياسية لفتح النقاش حول بدائل جذرية، لا حول البحث عن “أحرار” جدد بوجوه مختلفة.

يمكن القول إن ذكاء المخزن هذه المرة لم يكن ذكاءً أخلاقياً ولا استجابة لمطالب العدالة الاجتماعية، بل كان ذكاءً في خدمة استمرار نفس النظام الطبقي القائم، مع تغيير الديكور حتى يبقى العرض مقبولاً للجمهور. أما نحن، فإن لم ندرك أن المسرحية واحدة والممثلين يتغيرون فقط، فسوف نواصل التصفيق لوهم التغيير، بينما الفقر والبطالة والغلاء والمديونية تواصل سحق الأغلبية، والسرعتان في المغرب تتحولان إلى عالمين متوازيين لا يلتقيان أبداً. هنا فقط يكون المخزن قد ربح الرهان مرة أخرى، لا بفضل عبقريته وحدها، بل بفضل ضعفنا نحن، وضعف وعينا الطبقي، وهو ما يجب أن يتغير إذا أردنا فعلاً أن نسحب بساط الشرعية من تحت أقدام المنظومة برمتها، لا من تحت أقدام حزب مستهلك فقط.

ابو علي بلمزيان