قراءة لعبد الغفور أحلي في أعمال الكتابي وأعراب عن الذاكرة والجريمة السياسية

عبد الغفور أحلي

في زمن تتشابك فيه الخيوط بين الحقيقة والطمس، وتضيع فيه الكثير من معالم الذاكرة الجماعية، يبرز من بيننا من يحملون مشعل البحث والتقصي.

في هذا السياق، لا يسعني إلا أن أتوجه بالشكر والتقدير إلى الأخوين جمال الكتابي ومصطفى أعراب، اللذين قدما، كل بطريقته، إسهاما في إعادة فتح ملفات حرِجة، طالها الإهمال أو التجاهل، سواء في مجال الجريمة السياسية كما فعل جمال الكتابي، أو في تفكيك البياضات التاريخية التي تصدى لها مصطفى أعراب.

وسأبدأ أولا بالوقوف عند عمل جمال الكتابي، التي تناولت جوانب شائكة من تاريخنا السياسي المغربي المعاصر ، مسلطا الضوء على أحداث مؤلمة، وأدوار خفية، وشهادات مفصلية. مقالاته ليست مجرد توثيق، بل هي مساءلة للذاكرة ومساهمة في بناء وعيٍ نقدي بالتاريخ المغربي المعاصر.

أما أعمال الصديق مصطفى أعراب، فسأعود إليها لاحقا، في محاولة لتلخيص جهوده القيمة في فضح صمت النصوص، وملء الفراغات التي خلفها التواطؤ أو التغاضي، داخل السردية التاريخية الرسمية.

الجريمة السياسية في المغرب: قراءة في عمل جمال الكتابي

مقدمة

يطرح موضوع الجريمة السياسية في المغرب إشكالات شائكة تتعلق بالعدالة الانتقالية، وحقوق الإنسان، والذاكرة الجماعية، وهو ملف لا يزال مفتوحا رغم محاولات الطي والمصالحة، بين السرد التاريخي والتوثيق الحقوقي.
يبرز كاتب المقالات كصوت نقدي ، عمل على نقد بنية الجريمة السياسية في المغرب، خاصة من خلال مقالاته التحقيقية التي تتناول محطات حاسمة مثل انتفاضة الريف والاختفاء القسري وطمس الرموز الثورية.

1. مفهوم الجريمة السياسية: أكثر من عنف مباشر

الجريمة السياسية ليست مجرد أفعال قمعية صادرة عن الدولة ضد معارضيها، بل يوسع المفهوم ليشمل:
• الممارسات الرمزية (مثل النفي، الإقصاء من الذاكرة).
• الجرائم المستمرة (كالإخفاء القسري).
• صناعة النسيان والتهميش المتعمد.
بهذا، يتحول المقال عنده إلى أداة نقدية تفضح البنية العميقة للعنف السياسي في المغرب، العنف الذي يتجاوز الأشخاص ليطال التاريخ والمعنى.

2. انتفاضة الريف 1958-1959: قمع الثورة بصمت

في سلسلة “الجريمة السياسية”، يولي كاتب المقال اهتمامًا خاصًا بانتفاضة الريف الثانية (1958-1959)، التي اندلعت بعد الاستقلال في سياق خيبة أمل الريفيين من سياسات المخزن المركزي. انطلقت مطالب الريفيين من حاجات اجتماعية واقتصادية، لكنها قوبلت بردٍّ عنيف قاده الجنرال أوفقير بمباركة ولي العهد الحسن ، وصمت رموز الحركة الوطنية وباركه النظام السياسي .
ملاحظات عامة في تحليل مقالات جمال الكتابي:
• النظام تعامل مع انتفاضة 58/59 باعتبارها تهديدًا للوحدة الوطنية، لا تعبيرًا عن التهميش.

• القمع تمّ بأساليب عسكرية صرفة، شملت القصف الجوي، الاعتقالات، الاغتصابات و الإعدامات خارج القانون.

• الغياب التام لأيّ مساءلة أو اعتراف سياسي يجعل من هذه الأحداث جريمة سياسية بامتياز. جمال لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يعود إلى أرشيف الأمن الإسباني، ويستعين بشهادات مستقاة من وثائق غير مغربية، في محاولة لكسر الاحتكار الرسمي للسرد التاريخ.

3. دار بريشة والاختفاء القسري: الجريمة المستمرة

معتقل دار بريشة، باعتباره رمزا لواحدة من أبشع الجرائم السياسية: الاختفاء القسري. في مقالة بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة الاختفاء القسري، يؤكد أن هذه الجريمة لا تزال قائمة، لأن الدولة لم تُفصح بعد عن مصير العديد من المختفين، ولم تقدّم رواية شفافة ولا محاسبة.

“ما دام المختفي مجهول المصير، وما دامت الحقيقة لم تُكشف، فإن الجريمة قائمة، لا يسقطها مرور الزمن.” جمال الكتابي

بهذا الطرح، يربط الكتابي الماضي بالحاضر، مشيرًا إلى أن سياسات الإفلات من العقاب، والتعتيم، تُعدّ امتدادًا للجريمة السياسية، لا مجرد تبعاتها.

4. تهميش الثورة الريفية وطمس الرموز

أحد أكثر المحاور لفتا للانتباه في كتابات جمال هو تتبّعه لمصير أعضاء حكومة الريف، التي قادها الزعيم / الرءيس محمد بن عبد الكريم الخطابي. بعد فشل الثورة، تعرض هؤلاء للمنفى أو التغييب، وأُفرغوا من أيّ بعد رمزي في الذاكرة الرسمية المغربية.

• تم نفي عدد من قيادات حكومة الريف إلى جزيرة “ريونيون” في المحيط الهندي.

• تُركوا في عزلة سياسية ونفسية حتى وفاتهم، دون اعتراف رسمي بدورهم.

• الدولة مارست سياسة النسيان المقصود عبر تجاهل أي ذكر لهؤلاء في المقررات الدراسية، أو الخطاب السياسي العام.

هذا لا يقل خطورة عن العنف الجسدي، لأنه يصادر معنى الفعل السياسي، ويحوّل النضال إلى جريمة في السردية الوطنية.

5. ما بعد هيئة الإنصاف والمصالحة: سؤال العدالة المؤجل

رغم الجهود الرسمية التي بذلتها الدولة منذ بداية الألفية الثالثة، خصوصا عبر “هيئة الإنصاف والمصالحة، أن تلك الخطوة لم تذهب بعيدًا في تفكيك البنية السياسية للجرائم، واكتفت بالتعويض الرمزي والمادي دون كشفٍ للحقيقة أو محاسبة حقيقية.

• لماذا لم تفتح الأرشيفات بشكل كامل؟

• لماذا لم تحدد المسؤوليات السياسية بشكل صريح؟

• لماذا بقيت أصوات الضحايا خارج القرار؟

أن المصالحة الحقيقية تبدأ من الاعتراف بالذاكرة المهمّشة، لا بتزيين واجهة الدولة.

ختاما : الذاكرة كساحة صراع 

تتجاوز الجريمة السياسية معناها القانوني إلى كونها آلية بنيوية للهيمنة، حيث تُمارس السلطة عبر الصمت، والنسيان. الجريمة لا تنتهي عند إطلاق النار أو إصدار الحكم، بل تستمر حين يُمنع الضحايا من قول روايتهم، ويحرم الوطن من معرفة تاريخه.

بهذا، يسهم صديقي جمال في بناء ذاكرة مضادة، تعيد الاعتبار للمهمشين والمغيبين، وتطالب بوطن لا يُقصي أبناءه من التاريخ، ولا يدفن الحقيقة تحت شعارات “الوحدة” أو “الاستقرار”.