بقلم : جمال الكتابي
من شدة الألم في بطنه، سألني ذات صباح إن كان أحد الأشخاص المعروفين بامتهان “الطب” الشعبي في أيث عبد الله (ثاريوين) على قيد الحياة. أجبته، رحل منذ مدة، لكن هناك أبناؤه الذين ورثوا عنه المهنة. قلت له دير النية والشافي مولانا. فعلا زار أحد أبناءه هناك خلال السوق الأسبوعي (الخميس)، لكن الألم لم ينقص.
هنا فهم أن الأمر ليس بخير، مما دفعه للسفر إلى طنجة لإجراء الفحوصات. وبعد مرور أيام على هذه الفحوصات، تهاتفنا من جديد وكان جوابه:”سقطنا في يد “المرض النذل” أرفقي..رأسمالنا الوحيد هي صحتنا والآن أصبحت محل تهديد (..)؛ أملك قطعة أرض صغيرة في أجدير، وكلما فكرت في بيعها أتذكر أصولها ومنشأها حتى أضحت قطعة أثرية. هذه القطعة إشتراها والد جدي، من جهة الوالد، من عند عبد الكريم الأب، بل تعمق حبي لهذه القطعة من الأرض وهي كانت المكان المفضل للعب بين جدي وعبد الكريم الإبن عند انتهاءهما من حصة الدرس على يد عبد السلام الخطابي، بل على هذه القطعة كان يحلو تناول الطابا [نفح الطابا] بين جدي وعبد الكريم الأب..فرغم الاحتياجات لن أبيعها أرفقي..وإذا أخذ الله الأمانة ستبقى لمن أراد…
الحوار حول الذاكرة لم ينته بيننا إلى اليوم، وخاصة أن ذاكرة السي أحمد الزفزافي وثقت وسجلت تفاصيل عدة عاشها أو سمع بها من عند المصادر والشهود المباشرين. جددت معه الاتصال من فرنسا في شهر ماي لأطمئن على وضعه ولأبلغ له سلام وتحيات أحد الأطباء الذي يتابع وضعه مع مجموعة من الأطباء من الرباط وطنجة. عند انتهاء كلامنا حول جرعات الدواء، أخبرته أنني صادفت وثيقة في الأرشيف الفرنسي تتحدث عن جده وزوجته (امحند أزفزاف)، رد ضاحكا الله أكبر هذه وثيقة فرنسية وليست إسبانية؟، ياك زعما حنا كنا تحت الحكم الإسباني..كيبانلي أرفقي أن إسبانيا موجودة فقط في الأوراق أما صاحبة الأرض الحقيقية كانت فرنسا، ضحكنا كثيرا على ضوء هذا الكلام..
على ذكر جده (امحند أزفزاف) أخذني عيزي احمد في رحلة/حكاية امتزج فيها الكثير من الماضي الأليم، وذكرتنا بمرحلة قاسية مر بها الريف خلال زمن الريفوبليك حيث كانت الكلمة الأخيرة في أي تشنج قبلي للبندقية. ففي هذا الإطار تورط والد جده [أب امحند أزفزاف] في مثل هذه الأعمال فتم الحكم عليه بالنفي مع نزع أملاكه في منطقة إزفزافن القريبة من أجدير. اضطر والد جده للهجرة إلى الجزر الجعفرية المقابلة لشاطئ قابو ياوى القريب من السعيدية في أواسط القرن 19. بعد قضاءه هناك فترة من الزمن وهو يشتغل عند الإسبان، رجع إلى أجدير حيث اشترى قطعة أرض من عند عبد الكريم الأب وبنى عليها منزلا حيث ازداد فيها جده (امحند)، الذي عاش يتيما مع والدته بعد تصفية والده في إطار الانتقام القبلي لأن بمجرد سماعهم بوجوده بأجدير تم التخطيط للإجهاز عليه، وهذا ما حصل ذات ليلة.
عيزي أحمد عاش وترعرع في مدرسة الخطابي من خلال والده السي حمو، وجده من جهة الام ( الشيخ اليزيد، وزير داخلية على عهد الكريم) وشقيقه الراحل الأستاذ محمد الزفزافي والدكتور عمر الخطابي وأحمد المرابط وادريس الخطابي (ابن عبد الكريم)…
كان أول اصطدام له مع السلطة (أوفقير) خلال أربعينية امحمد الخطابي نهاية الستينيات. الذكرى كان من المفترض أن تقام في أجدير حيث دفن هذا الاخير لكن أفقير (السلطة) قام بمنعها ومنع الاقتراب من قبره، لكن السي أحمد استمر في إرسال الناس من فلوريدو في اتجاه أجدير، فألقي عليه القبض ورمي به في المخفر، لكن الحاضرين والضيوف الذين كانوا متواجدين آنذاك بفندق محمد الخامس ذهبوا جماعة إلى المخفر لطلب سراحه من بينهم: علال الفاسي، الوزاني، خالد مشبال، المرابط احمد، الحاج أحمد معنينو…، هذا الأخير كان من المقرر أن يكون ضمن المتدخلين أثناء التأبين. حادث المنع وماجاوره حكاه الحاج أحمد معنينو ضمن مذكرته، وكذا خالد مشبال ضمن كرسي الاعتراف.
دخول أوفقير الحسيمة لأول مرة ليلة 10 يناير 1959 والعربدة التي أحدثها في النادي الرياضي (كلوب ديبورتيفو) بقيت محفورة في ذاكرة عيزي أحمد وبالتفاصيل. ولما كنت أنجز حلقة حول الموضوع، 58/59، مدني مشكورا بمعلومات غاية في الأهمية لم يوردها أي مصدر.
15 يوليوز، 20 يوليوز، 21 يوليوز..محطات خالدة في ذاكرة عيزي احمد والمنطقة وأحرار المغرب والعالم..وكأن لسان حاله يقول: لا تتركوا يوليوز يسقط حتى وإن سقطت أنا..
عزي أحمد، نتمى لك الشفاء إن شاء الله حتى تستقبل ناصر وهو حر، سنبقى نصلي من أجلك حتى تستعيد عافيتك..
كل الحب والاحترام والتقدير لك..
نقلا عن حساب جمال الكتابي على فايسبوك

