من حين لآخر، تطفو على السطح كيانات وهمية تتغذى على عاطفة الناس ورمزيتهم التاريخية، وتستثمر في جراحهم الاجتماعية، فتطلق بيانات صاخبة تحمل شعارات من قبيل “الزحف الشعبي” و”التحرر” و”تقرير المصير”. ومن بين هذه الكيانات ما يسمى بـ”الحركة الوطنية الريفية”، التي اعتادت أن تطلق نداءات متزامنة مع بعض المحطات التاريخية أو الوطنية، محاولة أن توهم الناس بوجود مشروع سياسي بديل، فيما حقيقتها لا تتعدى بعض النصوص الافتراضية التي تفتقر إلى قوة تنظيمية أو امتداد شعبي حقيقي. آخر هذه النداءات جاء مرتبطاً بتاريخ 18 شتنبر، حيث أعلنت الحركة الوهمية أن هذا اليوم سيكون “يوم الزحف الشعبي على أجدير”، بهدف إعادة إحياء ما تصفه بـ”الجمهورية الريفية”. ومن هنا تنبثق الحاجة إلى قراءة نقدية موضوعية لهذا الخطاب، والوقوف عند خلفياته ومآلاته، في ضوء التاريخ والواقع معاً.
إن أول ما يلفت الانتباه في خطاب هذه الحركة هو توظيفها الرمزية التاريخية لشخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي وتجربة 1921 بطريقة انتقائية. فالخطابي لم يكن يوماً مشروعاً انفصالياً كما تحاول هذه الحركة تصويره، بل كان مشروعه تحريرياً وحدوياً عابراً للحدود، إذ نادى بتوحيد الشعوب ضد الاستعمار الغربي، وشارك في مؤتمرات التحرر الوطني بالقاهرة داعياً إلى وحدة العالم العربي و المغاربي والإسلامي. لكنه لم يطرح يوماً فكرة اقتطاع الريف من المغرب أو عزله عن عمقه الوطني. غير أن الحركة الوهمية تعيد قراءة هذا التاريخ بشكل مجتزأ، محاولة أن تجعل من تجربة الريف في العشرينيات نموذجاً لدولة مستقلة، بينما كانت تلك التجربة مجرد تكتيك سياسي وعسكري في مواجهة استعمار مزدوج فرنسي إسباني، وليست مشروعاً للانفصال عن المغرب. إن الاستناد إلى هذه التجربة التاريخية خارج سياقها لا يعكس إلا فقر الخيال السياسي لهذه الحركة، التي لا تجد ما تبرر به وجودها سوى استدعاء أمجاد الماضي البطولي للريف وتحويله الى ما يشبه البكاء أطلال.
أما بخصوص الشعارات التي ترفعها، مثل “تقرير المصير” و”المؤسسات الريفية المستقلة”، فهي تكشف عن محاولة واضحة لاستنساخ خطابات حركات انفصالية عبر العالم، دون اعتبار لخصوصية الوضع المغربي. المغرب اليوم ليس هو مغرب عشرينيات القرن الماضي، ولا هو فضاء هش تسيطر عليه القوى الاستعمارية. نحن أمام واقع جديد تتشابك فيها الاشكالات والرهانات حول الاعتراف بالتعدد الثقافي واللغوي، وعلى رأسه الاعتراف الحقيقي باللغة الأمازيغية كلغة وطنية وإقرار مشروع الجهوية السياسية، يشكل إطاراً قانونياً وسياسياً يسمح للأقاليم بممارسة قدر من الاستقلال الذاتي في التدبير تقرير شؤونها التنموية والاقتصادية والسياسية. وعليه، فإن المطالبة بما تسميه الحركة “مؤسسات مستقلة” ليس سوى خطاباً خشبياً يتجاهل خصوصيات الواقع، ويقفز على الإمكانيات المتاحة ضمن الإطار الجهوي و الوطني.
إضافة إلى ذلك، فإن هذه الحركة الوهمية تحاول باستمرار ربط خطابها بقضية معتقلي حراك الريف. فكلما اقتربت ذكرى مرتبطة بأحداث الريف أو برمزية تاريخية، يخرج بيان يزاوج بين الحديث عن “الجمهورية الريفية” والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين. وهنا يكمن جوهر الانتهازية السياسية: بدل أن تظل قضية المعتقلين في إطارها الحقوقي والإنساني، يتم جرها قسراً إلى خانة الانفصال والتقسيم. وهذا المسار لا يخدم لا المعتقلين ولا أسرهم، بل يجعل قضيتهم أكثر تعقيداً، إذ يقدمها في صورة تهديد للوحدة الوطنية، في حين أن جوهرها هو مطالب اجتماعية وتنموية وحقوقية مشروعة. فالربط بين الملفين ليس بريئاً، بل هو محاولة لإعطاء الحركة الوهمية مشروعية مفقودة عبر استغلال مأساة حقيقية.
ومن زاوية واقعية، من الضروري التساؤل: من هم هؤلاء الذين يدعون إلى “الزحف الشعبي”؟ وأين هم في الواقع الميداني؟ لقد جرت في السنوات الأخيرة عشرات الوقفات والمسيرات في الحسيمة والناظور وغيرها من مناطق الشمال، للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين أو تحسين أوضاع المنطقة، ولم يظهر لهذه الحركة أثر ملموس. لا راياتها رفعت، ولا شعاراتها ترددت، ولا قياداتها المزعومة ظهرت وسط الناس. كل ما هنالك بيانات تُنشر في بعض الصفحات أو المواقع، ثم تختفي إلى حين موعد جديد. وهذا ما يؤكد أن الأمر لا يعدو أن يكون وهماً إعلامياً يفتقر إلى وجود فعلي على الأرض.
إن خطاب هذه الحركة أيضاً قائم على ازدواجية لافتة. فهي من جهة تدعي الدفاع عن الكرامة والحرية، ومن جهة أخرى تمارس الوصاية على الريفيين، وكأنهم عاجزون عن التعبير عن أنفسهم إلا عبرها. إنها تسقط في نزعة ناطقة باسم الشعب، دون أن تكون لها شرعية شعبية أو سياسية. وفي هذا تناقض صارخ: كيف تدعي حركة غير موجودة على الأرض أنها تجسد إرادة جماهير الريف؟ وهل يمكن لإرادة شعب أن تُختزل في بيان افتراضي؟ إن من يريد فعلاً أن يدافع عن الريف عليه أن يشتغل من داخل الساحات المحلية والوطنية، أو أن يبني تنظيماً حقيقياً له قواعد وأطر وبرامج، لا أن يكتفي بإطلاق بيانات لا يتجاوز صداها الفضاء الافتراضي.
ثم إن اختيار أجدير كمكان للزحف ليس سوى محاولة لإضفاء شرعية رمزية على مشروع وهمي. صحيح أن أجدير تحمل رمزية تاريخية كبيرة، باعتبارها مهد المقاومة الريفية، لكن التاريخ لا يُستنسخ. العودة إلى أجدير اليوم لا يمكن أن تكون إلا عودة رمزية للاحتفاء بالذاكرة، لا لإحياء “جمهورية” انتهت ظروفها منذ قرن. إن إعادة استدعاء هذه الرمزية في مشروع سياسي ضيق ليس سوى تشويهاً لذاكرة المقاومة، وتزييفاً لرسالة الخطابي، الذي كان يعتبر نفسه مناضلاً أممياً لا محلياً محدود الأفق.
كما أن المطالب التي ترفعها الحركة تكشف عن نزعة تبسيطية. فهي تتحدث عن “استرجاع الأراضي المنهوبة” و”إنهاء التفقير والتهجير”، وكأن الحل يكمن في إعلان جمهورية مستقلة! هذه قضايا مركبة تحتاج إلى برامج تنموية واستثمارات عمومية وإصلاحات هيكلية، وليس إلى خطابات انفصالية. فالفقر والتهميش ليسا حكراً على الريف، بل يطالان مناطق عديدة من المغرب، من جبال الأطلس إلى الجنوب الشرقي. فهل الحل أن تتحول كل منطقة إلى “جمهورية مستقلة”؟ هذا منطق عبثي يقود إلى التفتيت لا إلى التنمية.
إن أخطر ما في هذه الحركة الوهمية أنها تسعى إلى تشويه صورة الريف لدى الرأي العام الوطني. فبدل أن يظهر الريف كمنطقة مناضلة تطالب بحقوقها الاجتماعية والتنموية في إطار وطني جامع، يُقدَّم في خطابها كمنطقة متمردة تسعى للانفصال. وهذا يخدم بالدرجة الأولى أعداء الريف، لأنه يعزل مطالبه عن باقي المطالب الوطنية، ويجعلها تبدو كتهديد بدل أن تكون جزءاً من مشروع وطني للتغيير الثوري. فالوحدة الوطنية في إطار التعدد ليست خياراً فوقياً او مخزنيا، بل هي شرط أساسي لأي تنمية ممكنة او لاي تغيير حقيقي.
لهذا، فإن مواجهة هذه الأوهام لا تكون فقط بالرفض السياسي، بل أيضاً بتعزيز البديل الواقعي. البديل هو أن يُستثمر في الريف بما يليق بتضحياته التاريخية، وأن تُعالج أزماته البنيوية في الصحة والتعليم والبنية التحتية، وأن يُفتح حوار جاد حول قضاياه الاجتماعية. البديل هو أن تندمج مطالب الريف في المشروع الوطني للتنمية وفي مشاريع التغيير الحذري، لا أن تُعزل في خطاب وهمي.
إن ما يسمى بـ”الحركة الوطنية الريفية” ليس سوى سراب سياسي، يُستدعى كلما حلت ذكرى، ثم يختفي في الفراغ. إنها محاولة لإقناع الناس بأن الحل يكمن في الانفصال، بينما الحقيقة أن الحل يكمن في بناء بديل وطني ديمقراطي شعبي، يُنصف كل جهاته، ويجعل من الريف شريكاً أساسياً في مسيرة التنمية والتحول السياسي. إن الريف لم يكن يوماً خارج المغرب، ولن يكون، وما يربطه بالوطن أعمق من أن تمحوه بيانات افتراضية. فالتحرر الحقيقي ليس من “الاستبداد المركزي” فقط، بل من الفقر والتهميش، والتحرير الفعلي ليس إعلان “جمهورية” على الورق، بل تحرير الطاقات الريفية من القيود التي تمنعها من المساهمة في بناء الوطن الكبير.
الحسيمة في 29 غشت 2025
– أبوعلي بلمزيان.

