ببالغ الحزن والأسى، تلقينا الأربعاء الماضي نبأ رحيل رجل شهم، رجل لم يكن مجرد عابر سبيل في هذه الحياة، غادرنا بعد صراع مرير مع المرض، تاركًا وراءه قصة نضال وصبر لا يُنسيان.
لم يكن المرض اللعين وحده ما أنهك جسده، وهو في الثمانين من عمره، بل كان غياب ولده المعتقل المحكوم ب 20 سنة، هو الجرح الذي نزف في قلبه دون توقف. الابن الذي اختار أن يحمل شعلة النضال التي ورثها عن أجداده الذين قاوموا الاستعمار الغاشم، إلى جانب الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وغيره من المجاهدين. الابن الذي ما زال يؤدي ضريبة الاعتقال خلف القضبان، إيمانا منه بأن الكرامة والحرية والعدالة ليست مجرد شعارات، بل حقوق تُنتزع.
لم يرتكن أحمد الزفزافي إلى الصمت، بل ظل يدافع عن ولده وغيره من معتقلي الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها منطقة الحسيمة، واستمر في مؤازرتهم والمطالبة بإطلاق سراحهم. كان صوته مدويًا وقويا وواضحا، ساهم في تأسيس جمعية ثافرا للوفاء والتضامن لعائلات معتقلي حراك الريف، وفتح قلبه وبيته لكل من تضرر من الظلم. كان ينشر على صفحات الفايسبوك وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، تصريحات قوية كانت توقظ شعور اليائسين وتوقظ الأمل في نفوس الكثيرين. كان يرى في ابنه امتدادًا لروحه الثائرة، ورمزًا لكل من يؤمن بالعدالة الاجتماعية.
انتماؤه لعائلة اهتمت بالعلم وساهمت في الكفاح، دفع الفقيد إلى الاهتمام بالذاكرة والتاريخ، فوالده السي حمو كان فقيها معروفا، وجده امحند أزفزاف كان من أقران الزعيم الخطابي، كما أن جده من ناحية والدته هو المقاوم الشيخ اليزيد الذي تقلد مسؤوليات كثيرة إبان مقاومة الاستعمار.
يتذكر الكثير من التفاصيل عن الأحداث التي عاشها الريف سنتي 1958 و1959، وعن تأبين الفقيد المجاهد امحمد الخطابي، حيث تعرض الفقيد للاعتقال بسب تشجيعه الناس للمشاركة بكثافة في تشييع جثمان السي امحمد الخطابي.
الفقيد من مواليد 1943 بأجدير، درس في كتاب القرية ثم بالمدرسة الابتدائية، وحصل على شهادة التعليم الابتدائي من مدين ةالشاون، بعد ذلك استكمل دراسته بإحدى ثانويات مدينة تطوان، حتى مستوى البكالوريا.
في سنة 1966 تم تعيينه مقتصدا بدار الأطفال بالحسيمة، الوظيفة التي استمر بها حتى تقاعده سنة 2007.
تزوج سنة 1973 من السيدة زوليخة بنت السي حمو، له أربعة أبناء وهو: طارق وناصر ومحمد ولطفي.
انخرط في ريعان شبابه بأحد الأحزاب، لكنه انسحب منه أواخر التسعينيات، ليبتعد عن السياسة، لكنه ظل يتابع ما يحصل من التطورات ويحكي للناس تجاربه وما عاشه أو سمعه من الذين عاشوا حرب الريف وأحداث 58 و59.
بعد الأحكام القاسية التي صدرت في حق نشطاء الحراك وفي حق ولده ناصر، لم يتراجع ولم يرتكن للصمت، بل ظل يتابع بدقة مع زوجته المكافحة خاتشي زوليخة، كل التطورات التي تحصل، وظل يتحدث عن وضعية المعتقلين داخل السجون، خاصة عندما يعلن هؤلاء عن إضرابات عن الطعام.
شارك في العديد من اللقاءات وأجرى الكثير من المقابلات الإعلامية مع صحف وطنية ودولية، التقى بمسؤولين سياسيين وحضر في البرلمان الأوروبي والبرلمان الهولندي للترافع على قضية المعتقلين.
كان عزي احمد سندا لولده ناصر وزوجته “خاتشي زوليخة”، التي تدهورت صحتها بسبب المرض، وظل على ذلك حتى سقط طريح الفراش بسبب المرض اللعين.
صارع الألم في صمت، لكن عينيه لم تتوقفا عن البحث عن خبر يفرح قلبه ويرى ابنه حرا طليقا بعد أن قضى أزيد من ثماني سنوات في العديد من السجون. لقد كان يدرك أن حياته تقترب من النهاية، لكنه لم ييأس أبدًا من تحقيق الحرية لابنه.
لقد رحل، لكن صدى صوته ما زال يتردد في كل مكان، يذكرنا بأن الكرامة لا تقدر بثمن، وأن الحق مهما طال الزمن سيتحقق.
رحم الله عزي احمد، وألهم أهله الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل.
فلنساهم جميعًا في تبليغ رسالته، رسالة الأمل والصمود، حتى يُشرق فجر الحرية والعدالة الذي طالما ناضل من أجلهما.
أحمد الزفزافي (عزي احمذ) صوتٌ ظل ينبض بالحياة ويبعث الأمل

