نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أمس السبت، ندوة دولية عن بعد تحت عنوان: «نضال مستمر لإطلاق سراح معتقلي حراك الريف وكافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي»، في إطار الحملة الدولية لإطلاق سراح المعتقلين السياسيين بالمغرب، متمحورة حول الملف الحقوقي لمعتقلي حراك الريف، بعد أن أعادت وفاة أحمد الزفزافي، والد قائد الحراك ناصر الزفزافي، تسليط الضوء على الأزمة الحقوقية التي ما زالت قائمة، مؤكدين أن جذور الحراك الاجتماعية والسياسية لم تُطوَ بعد.
وفي مستهل مداخلتها أكدت سعاد البراهمة رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، على أن استمرار اعتقال حِراكي الريف منذ ما يقارب ثمان سنوات يجعل الملف “جرحا مفتوحا في مسار العدالة والحقوق بالمغرب”، مضيفة انه «يعمق فقدان الثقة في المؤسسات، خاصة مع استثناء هؤلاء من قرارات العفو الملكي المتتالية”، موضحة أن المغرب يسوّق نفسه دوليا كدولة تحترم حقوق الإنسان، لكن الواقع الداخلي “يكشف صورة مغايرة تماما”.
وأوضحت البراهمة أن إطلاق سراح المعتقلين السياسيين مرتبط بإرادة سياسية حقيقية توقف “الانتهاكات” وتمهد لصفحة جديدة من المصالحة واحترام سيادة القانون، وأكدت أن استمرار الاعتقال لا يخدم صورة المغرب ولا استقراره، بل يغذي الإحباط والاحتقان، مشددة على ضرورة أن تتحمل الدولة مسؤوليتها التاريخية “واتخاذ القرار الشجاع بطي هذا الملف بما يضمن العدالة والحرية والكرامة لكل المواطنين”.
كما نبهت البراهمة إلى استمرار معاناة المنطقة من “التهميش”، وعدم وجود خدمات أساسية مثل ملحقة جامعية ومستشفى لمعالجة الأمراض المستعصية، مؤكدة أن وفاة والد ناصر الزفزافي وما سبقها من معاناة أسرية تعكس حجم الأزمة الاجتماعية التي أدت إلى اندلاع الحراك.
من جانبه اعتبر جمال بنعمر الدبلوماسي الدولي السابق، ونائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص إلى اليمن، أن استمرار اعتقال نشطاء الحراك يمثل خرقا واضحا للقانون المغربي والدولي، وأن الحملات الإعلامية والدعائية لا تخفي الحقيقة المتعلقة بالملف، مشيرا إلى أن الأحكام التي وصلت إلى عشرين سنة في حق قادة الحراك كانت وفق تعبيره بعد “محاكمات لم تستوف شروط العدالة”.
وتحدث عن خبرته الشخصية باعتباره من مواليد الريف، مستعرضا الذاكرة التاريخية للمنطقة التي حملت أحداثا قمعية منذ 1958 و1959 وصولًا إلى يناير 1984. وأكد أن وفاة والد ناصر الزفزافي أعادت صور ” القمع والمقاومة إلى الأذهان”، وأن ناصر يعيش اليوم معاناة مشابهة لما عاشه، حيث لم يتمكن من وداع والده والقاء النظرة الأخيرة عليه عند وفاته بسبب سجنه، ولم يتمكن أيضا من وداع والدته بسبب وجوده في “المنفى”.
وأشار إلى أن الحراك الذي اندلع سنة 2017 كان سلميا بالكامل، واستهدف المطالب الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن السلطات ردت بحملة اعتقالات واسعة وصدر أحكام ثقيلة بحق 54 ناشطا، بينهم ناصر الزفزافي ونبيل أحمجيق وسمير إغيد.
وأضاف أن تطور الملف كان بارزا من خلال موقف الأمم المتحدة، حيث أكد فريق العمل المعني بالاعتقال التعسفي أن اعتقال ناصر الزفزافي تعسفي ويتعارض مع القانون الدولي، داعيا إلى الإفراج الفوري عنه وعن باقي المعتقلين، وختم بالقول أن الحلول الترقيعية لم تعد مجدية، وأن الطريق الوحيد لإنهاء هذا الملف هو مضاعفة الجهود الوطنية والدولية للضغط من أجل الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع معتقلي الرأي بالمغرب.
ومن منظور دولي اعتبر براين ترونيك مدير برنامج منظمة فريدوم هاوس (الولايات المتحدة) أن الهدف الأساسي يتمثل في مواجهة الصورة التي يسعى المغرب لتصديرها كوجهة سياحية ومركز لصناعة السينما، موضحا أن «البلد يقبع فيه معتقلون سياسيون، وهذا يتناقض مع الصورة التي يروج لها».
وأوضح المتحدث ذاته أن أي جهد دولي «لن يكون ممكنا من دون التعاون مع الناشطين المحليين على الأرض»، وأن منظمة فريدوم هاوس تعتمد على شبكة واسعة من العلاقات الدولية لنقل أصوات الضحايا وصانعي القرار في واشنطن وخارجها.
من جانبه أشار تايس رويتن عضو البرلمان الأوروبي عن حزب العمل–الخضر بهولندا، إلى أن وفاة أحمد الزفزافي شكلت حدثا بارزا في هولندا وأوروبا والعالم، مؤكدا أن هذا الحدث أبرز أهمية النضال المتواصل لمعتقلي حراك الريف.
وأوضح أن القضية ليست مجرد معتقلين، بل تتعلق بالعدالة والكرامة وحقوق الإنسان، وأن الحراك لم يُطوَ بعد، وذكّر بأنه في يناير 2023 قدم أول قرار منذ عشرين عاما في البرلمان الأوروبي بخصوص سياسة المغرب في مجال حقوق الإنسان، مؤكدا أن الضغط الدولي البسيط أثار ردود فعل قوية من الحكومة المغربية، بما في ذلك جلسات استثنائية، رغم أن المطالب كانت «بسيطة للغاية».

