بقلم: هدى سحلي
حين انطلقت عملية المقاومة في 7 أكتوبر، سارع كثيرون إلى الهجوم على المقاومة والبحث عن نتائج فورية على المدى القريب، معتبرين أن الكلفة أكبر من المكاسب.
لكن ما يجري اليوم بعد نحو عامين يكشف أن التأثيرات الاستراتيجية بعيدة المدى بدأت تتشكل: إسرا-ئيل تجد نفسها محاصرة سياسيا وعسكريا ودبلوماسيا، في صورة لم يكن يتخيلها أحد قبل أشهر قليلة، وفلسطين تعود كقضية شعبية أممية.
المشهد الأول: مسيّرة من اليمن تخترق دفاعات إيلات
في واحدة من الاختراقات التي عرفتها إسرا-ئيل منذ بدء الحرب، أصابت طائرة مسيّرة أُطلقت من اليمن مدينة إيلات (أم الرشراش) جنوبي البلاد.
بحسب وكالات الأنباء الدولية، جُرح ما لا يقل عن 22 شخصًا، اثنان منهم في حالة حرجة، بعدما فشلت منظومات الدفاع الجوي في اعتراض المسيّرة.
الحادثة وقبلها مسيرة حزب الله التي اصابت مباشرة غرفة نوم نتن-ياهو، فجّرت نقاشًا داخليًا في إسر-ائيل حول ثغرات “القبة الحديدية” وقدرتها على مواجهة هجمات بعيدة المدى ومنخفضة الارتفاع.
المشهد الثاني: أسطول الصمود… ومرافقة أوروبية
بالتوازي مع الحدث الجوي، يقترب إلى سواحل غزة “أسطول الصمود”، وهو قافلة مكوّنة من نحو 50 سفينة من 44 دولة، تحمل ناشطين ومساعدات إنسانية بهدف كسر الحصار البحري.
الأسطول تعرّض لسلسلة هجمات بمسيّراته وتشويش إلكتروني، وهو ما دفع منظميه لاتهام إسرا-ئيل باستهداف سفن مدنية في المياه الدولية. ما أثار ردود فعل دولية سريعة، إيطاليا أعلنت إرسال فرقاطة عسكرية لمرافقة الأسطول وتأمين إيصال المساعدات، في سابقة أوروبية ضد الممارسات الإسرا-ئيلية.
قائد اتحاد عمالي في جنوة الإيطالية أعلن خلال احتجاج عمالي بميناء جنوة أنهم سيتحركون كعمال إذا استمرت إسرا-ئيل في التشويش على الأسطول ومنعت التواصل مع المشاركين فيه.
إسبانيا بدورها أكدت أنها سترسل سفينة حربية لحماية مواطنيها المشاركين في القافلة.
وبينما تحاول إسرائيل احتواء الموقف عبر اقتراح تفريغ المساعدات في ميناء عسقلان تحت إشرافها، يتمسك منظمو الأسطول بأن وجهتهم الوحيدة هي غزة.
المشهد الثالث: خطاب صادم في الأمم المتحدة
في نيويورك، استغل الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ليشنّ هجوما غير مسبوق على إسر-ائيل وحلفائها. وصف بيترو الاحتلال بأنه “نازية العصر الحديث”، ودعا إلى تشكيل “جيش دولي لتحرير فلسطين” تشارك فيه جيوش من أميركا اللاتينية وأوروبا وآسيا.
كما اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالمشاركة في “جرائم إبادة جماعية” في غزة، مطالبا بمحاكمته كمجرم حرب. تصريحات بيترو أثارت توترا كبيرا داخل القاعة وأدت إلى انسحاب الوفد الأميركي.
إسرا-ئيل محاصرة… وموجة الاعترافات بفلسطين
هذه التطورات المتسارعة تكشف أن إسرائيل تواجه اليوم أكثر من جبهة في آن واحد:
تهديدات جوية بعيدة المدى قادمة من اليمن.
تحديات بحرية مع أسطول دولي مدعوم بمواقف أوروبية.
عزلة سياسية متنامية في أروقة الأمم المتحدة
وإلى جانب ذلك، تشهد الساحة الدولية موجة اعترافات جديدة ومتتالية بدولة فلسطين، سواء من دول أوروبية مثل إيرلندا وإسبانيا والنرويج، أو من بلدان في أميركا اللاتينية وإفريقيا وآسيا، وهو ما يعزز العزلة القانونية والأخلاقية لإسر-ائيل، ويكرّس القضية الفلسطينية كحقيقة سياسية لا يمكن تجاوزها.
ورغم أن المشهد لا يعني بالضرورة انهيارا وشيكا للكيان، إلا أنه يعكس تحولا ملحوظا في صورة إسر-ائيل على الساحة الدولية: من دولة “ضحية” إلى قوة تواجه اتهامات مباشرة بارتكاب الإبادة الجماعية.
بالنظر إلى التطورات الأخيرة، يبدو أن الكيان الذي عاش سبعين عامًا على الدعم الغربي والخداع السياسي، بدأ يواجه مرحلة تراجع تاريخي محتمل، مع انعكاسات عميقة على دوره الإقليمي والدولي.

