ناجي العماري
لم يكن يوما من أولئك الذين يطلبون الخلود بالصورة أو بالشعار.
كان يسير بهدوءٍ بين الناس، كأنه يخشى أن يُوقظ فينا ما نسيْناه من المعنى.
كان مصطفى البراهمة زعيمًا، ولا كان من أولئك الذين تملأ صورهم الجدران.
رحل كما عاش: بصمتٍ نقي، لا يحتاج إلى ضجيج ليقول الحقيقة.
لقد كان البراهمة آخر أولئك الذين آمنوا أن العدالة ليست وعدًا سياسياً، بل التزامًا أخلاقيًا.
لم يُساوم، لم يُهادن، ولم يخلط بين الوطن والحزب، ولا بين القناعة والمصلحة.
وفي زمنٍ انحنى فيه كثيرون تحت ثقل التسويات، اختار هو أن يقف.
اختار أن يظلّ وفيًّا لفكرٍ لم يُبدّله، ولحلمٍ لم يبهت رغم قسوة الطريق.
في زمنٍ صارت فيه السياسة سباقًا إلى الكراسي، ظلّ يذكّرنا أن الكرسي لا يصنع الإنسان، بل الإنسان هو الذي يمنحه المعنى.
لم يكن يطلب سلطةً ولا وجاهة، بل كان يرى في الموقف الصادق سلطةً أعمق وأبقى.
كان يؤمن أن الكلمة، إن لم تكن نزيهة، فالصمت أولى بها.
وهكذا ظلّ صمته بيانًا طويلًا عن معنى الكرامة.
درس الهندسة، ولكن ليس بحثًا عن رقيٍّ اجتماعيٍّ بل تقرّبًا من مناضلٍ آخر، سبقه للرفيق الاعلى، هو إبراهيم السرفاتي.
لم يمارس مهنته لتعبيد الطرق أو رسم الخرائط، بل ليهندس خريطة وطن؛
ذلك هو الدرس الذي تركه لنا هذا المهندس الذي خطّ الخرائط بالعقل وهو يخطّ المبادئ بالقلب.
كانت الهندسة عنده فعلًا رمزيًا — بناءُ المعنى على أرضٍ من القيم، لا من الحجر.
اختار الطريق الصعب، طريق الشكّ والتعب والمساءلة.
طريق أولئك الذين يعرفون أن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع بالمعرفة والوفاء.
لم يطلب مجدًا شخصيًا، بل سعى إلى أن يكون ضميرًا يمشي على الأرض.
كان يعرف أن الصدق في زمن المساومة ثمنه العزلة، لكنه لم يبدّل الصدق بالطمأنينة.
برحيله، لا نفقد رجلاً فقط، بل نفقد جيلًا كان يرى في النضال طريقًا للمعنى.
جيلًا لم يكن يسأل “ماذا سنربح؟” بل “كيف سنبقى أوفياء لما آمنا به؟”.
ذلك الجيل الذي علّمنا أن الصمت يمكن أن يكون موقفًا، وأن الكلمة، حين تُقال بصدق، تصير فعلًا تغييريًا.
جيلٌ آمن أن الثورة ليست في الشوارع فقط، بل في السلوك، في البساطة، في الإصرار على أن تبقى إنسانًا وسط عالمٍ ينهار في التفاصيل.
لا يغادرنا لنحييه ذِكرى، فهو أكبر من ذلك… هو جزء من ذاكرة الوطن.
يفارقنا اليوم تاركاً خلفه ما هو أبقى من الشعارات:
درس الوفاء، ومعنى الصدق، وسكينة الموقف حين يغيب الصخب.
ذهب أو لم يذهب ؟
هو لم يذهب… بل ابقى لنا :
ضمير يذكّرنا بأن النقاء ممكن، وأن الإنسان، إن صدق نفسه، يصير وطنًا كاملاً.
مصطفى … لروحك السلام.

