في إحدى أمسيات شتاء سنة 1913،حيث كانت القرية مغطاة بضباب وصقيع يلسعان الوجوه، والريح تتسلل بين الأزقة كما لو كانت تحمل أخبار الغيب. كان صدّيق بن طيب، أخ والد جدي المغدور (سعيذ بن طيب)، فتى يافعا متقد الإرادة، حين داهمه شعور بأن العالم أكبر من أن يطيقه قلبه الصغير، وأن لحظة واحدة يمكن أن تغير مجرى حياة كاملة.
في ساحة “ثاقا وركال”، بقرية “إيحوصن”، المزديوية الريفية، تحلق صدّيق رفقة أقرانه حول مجذوب عابر، انهالوا عليه بأجسادهم فرحين في لهو يسمّونه “عْرّايمو التشيش”. نهض الرجل من التراب والغبار، رمقهم بعينين تلمعان خوفا وغضبا، وقال بصوت هادر تردد بين أركان ضريح “سيدي بولگاسم”: “إيرومين… إيرومين! (أي: مصيرك أن تحيا ببلاد النصارى!)”، ومنذ تلك اللحظة شعر صدّيق أن العالم قد وضعه في شراك غربة لا مهرب منها، وأن خطواته القادمة ستُكتب بمداد الهجرة والمنفى.
كانت الأيام التالية تمضي بطيئة، والقرية تبدو أصغر وأكثر ضيقا.. كل زاوية، كل حجر، كل همسة من أهلها، كانت تزرع في قلبه جفولا عجيبا لم يكن يملك منه ملاذا.
كان الليل، بصمته الثقيل، يرسم له صدى اليوم الآتي، بدأ حلم الرحيل يتشكل في قلبه شيئا فشيئا.. إلى أن جاء اليوم المنتظر، حيث خرج من القرية بخطوات مترددة لكنها حاسمة، تاركا وراءه أهله وأصحابه.
وصل القصر الكبير، ومنها إلى الدار البيضاء، حيث التحق بالجيش الفرنسي، منخرطا في كتيبة مشاة مغاربية.. ثم انتقل بعد ذلك إلى الجزائر، ومنها إلى الهند الصينية.
لم تكن وجهته سوى لب الشرق الساحر والـمستعصي، حيث كانت “الإندوشين الفرنسية” تتأهب لأن تكون مقبرة الأحلام ومحرقة الآمال الموهومة. إلى فيتنام، إلى كمبوديا، وإلى لاوس—تلك الأصقاع المخضبة بالخضرة والتاريخ والشقاء المكتوم—أرسلت هذه الوحدة لتواجه شبح المقاومة المحلية؛ ذاك الأنين الكامن في الصدور، الذي أبى أن يخمد تحت وطأة الحذاء الأجنبي.
امتزج المطر بالدم في ذاك الصقع البعيد، وابتلع صوت المدافع أحلامه باليسر والرغد.. وهناك وجد الفتى حاله في ضيق الخنادق، يخوض معارك لا تنتهي، كأنه مدقّ معدني صك في عبث الحياة. كان يحمل بندقيته، ثقيلة على كتفه، كمن حُكم عليه أن يحمل صخرة وزر لم يرتكبه.
كان يطلق النار على أبرياء لا يعرفهم، مجرد أرقام في دفاتر القدر، لا عداء بينه وبينهم، ربما لو تقابلا في سوق “السبت- تارگيست” لتبادلا التحية وتقاسما الشكوى من سوء الحال وشح السماء. لكن الحلبة القاسية التي زج به في أتونها لا يملك فيها سوى الضغط على الزناد، إلى أن أصابته شظية قذيفة في أحد ساقيه، عاد بسببها إلى مرسيليا للعلاج والنقاهة.
وفي هذا المدينة الساحلية، جاءته ممرضة فرنسية بعينين هادئتين، أحبّها كما يحب المنفي وطنا لم يولد فيه، وتزوجها، وأنجبت له إيلين. خبر ولادتها وصل في رسالة إلى أهله بإيحوصن: “لقد رزقت بنتا جميلة… سميناها “إيلين”.. تقول زوجتي إن الاسم يعني الشعلة المضيئة، وأنا أتوق أن تبدد ابنتي دياجير الظلام الرابض بين أضلاعي.. أنا بخير، لا تقلقوا…”.
ظل صدّيق يرسل الرسائل إلى أهله بإيحوصن، ولا يتلقى منهم جوابا.. يكتب عن حنينه إلى أمه ورائحة ثريدها الشهي، وعن اتفاقه مع زوجته على أن تحمل أسماء أبنائهما صدى ماضيهما معا، في محاولة يائسة للبقاء موصولا بجذر ضائع من وطنه، عن جزء من روحه لم تفارقه الغربة أبدا.
وعندما انتهت الحرب، جاء الرد من إخوته كالصفعة: “عد وحدك إن شئت، أما تلك “الرومية” فمكانها ليس بيننا”. مزق صدّيق الرسالة مغالبا دمعه، وقد علم أن الطريق إلى الوطن أقد أغلق إلى الأبد، وأن دعاء المجذوب قد كتب له قدره بلا رجعة. استقر في مرسيليا، بين الميناء وأحياء العمال المهاجرين، يدخن بشراهة، ويكتب رسائل يلقي بها إلى الموج، يحكي عن يومياته وأبنائه، ويحاول أن يلملم جروحه بالبوح.
واليوم، أكاتبك، يا حفيد (ة) إيلين .. أنا حفيد شقيق جدك صدّيق بن طيب، الذي لم ير صورته قط، لكن قصة حياته تسكنني كما يسكن الملح بحر المتوسط الذي يجمعنا بوثاق ذاكرة موجعة ومفجعة. يسكنني فضول لا يهدأ لمعرفة مصير أبنائه في فرنسا. تستبد بي أحيانا رغبة في أن أتتبع مسارات الغصون والثمرات، أقصدكم أنتم حفدته.. وأحيانا يقنع خاطري بسرد حكايته مفصلة، ملونة بألوان الطيف كله، لأن الحكايات، مثل الأرواح، لا تموت، بل تنتقل من جيل إلى جيل إلى أن تستقر في لب من يملك فضول المعرفة وعشق كتابة التاريخ، بدواة الأدب أو عين الكاميرا، وإلى من يسكنه هوس البحث عن قصص المغاربة المساكين الذين زج بهم، وما يزال، في معارك واصطفافات لا شعير لهم فيها ولا بيدر..
لست أدري، عزيزي الحفيد، هل بوسعك أن تلاحظ ميلي عن كناية ذائعة على الألسن، فيها ذكر للناقة والجمل.. لكني لست أشك أن فطنتك أكبر من أن يعجزها فهم إصراري على كناية زراعية صنعتها من قلب حقولنا بالريف القصي والمكابر.
مع كل حبي وفضولي،
حفيد شقيق صديق بن طيب
جمال أبرنوص

