يستحضر المغرب اليوم، 29 من أكتوبر، الذكرى الستين لاختطاف المناضل اليساري المهدي بن بركة، في وقت ما زالت فيه قضيته تشكل رمزا للغموض السياسي وأحد أبرز ملفات التاريخ المعاصر غير المحسومة.
ورغم مرور عقود على الحادث، ما تزال ذكراه تنبض في وجدان رفاقه وكل المتشبعين بالفكر الحقوقي، لما حمله من مبادئ العدالة والحرية ومناهضة الاستبداد، وسط دعوات متجددة لكشف الحقيقة وإنهاء الغموض الذي يلف مصيره.
هذا العام تكتسب الذكرى بعدا خاصا، بعد ما تداولته بعض الصحف الأوروبية من تسريبات جديدة حول اللحظات الأخيرة في حياة بن بركة، لتعيد قضيته إلى واجهة النقاش الحقوقي والسياسي مجددا.
برز المهدي بن بركة منذ شبابه كقائد استثنائي، جمع بين النبوغ العلمي والوعي الوطني، إذ تابع دراسته في “كوليج مولاي يوسف” ثم في باريس، قبل أن يعود إلى المغرب ليُدرّس ولي العهد آنذاك، الأمير الحسن الثاني. غير أن التزامه بقضايا الإصلاح والحرية سرعان ما جعله في مواجهة مباشرة مع سلطات الاستعمار الفرنسي، ومع السلطة السياسية لاحقًا، ما أدى إلى اعتقاله مرتين قبل أن يغادر البلاد نحو المنفى.
وفي التاسع والعشرين من أكتوبر 1965، تم اختطافه أمام مقهى “ليب” في باريس، لتظل قضيته واحدة من أكثر الجرائم السياسية غموضا في التاريخ الحديث.
وفي تصريح لإذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب أنفو”، قال الدكتور محمد خواجة، الكاتب والمؤرخ، إن المهدي بن بركة، «مهما كانت أخطاؤه، يظل رجلا ثوريا في سبيل بناء بلاده وسائر الشعوب التي عانت من الظلم، وقد أسيء فهمه كثيرا، إذ لم يكن يسعى إلى الحكم، بل إلى ترسيخ قيم العدل والكرامة في الأوطان المستضعفة».
وأضاف أن “عيبه الأكبر أنه كان يحلق عاليا وسط عقول لم تتحرر بعد من الجهل وهيمنة القوى العالمية”.
ومن جهته، قال يوسف الشاوي، عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، في تصريح خص به إذاعة “كاب راديو” وموقع “كاب أنفو”، أن الذكرى الستين لاختطاف واغتيال المهدي بن بركة تظل جرحا مفتوحا، وجريمة لم تُكشف خيوطها الكاملة بعد.
وطالب بفتح جميع أرشيفات القضية، مشيرا إلى صدور كتاب جديد بعنوان “قضية بن بركة.. نهاية الأسرار”، يكشف وفق مؤلفيه معطيات غير مسبوقة استنادا إلى أرشيفات استخباراتية كانت سرية لعقود.
وأوضح الشاوي أن «اغتيال بن بركة لم يكن مجرد جريمة داخلية، بل عملية دولية معقدة شاركت فيها أطراف متعددة، بينها جهاز الموساد الإسرائيلي الذي وفر الدعم اللوجستي والمراقبة للمشاركين».
وختم بالقول إن «الذين اغتالوا بن بركة لم يقتلوا رجلا، بل حاولوا اغتيال فكرة؛ فكرة التحرر ومقاومة الإمبريالية والاستعمار الجديد، وهي معركة ما زالت مستمرة حتى اليوم».

