محمد السادس الداخل والخارج… مسار التحول والاستمرارية

تولى الملك محمد السادس العرش في أواخر يوليوز سنة 1999، في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد، حيث كانت المملكة بحاجة إلى نفس جديد في الحكم وإلى مراجعة شاملة لعلاقته بذاته وبالعالم.
منذ الوهلة الأولى، أطلق الملك النقاش حول ملفات كبرى وشائكة في نفس الوقت، على المستويين الداخلي والخارجي، لتشكل لاحقا ملامح مرحلة التحول.
في البداية أطلق النقاش حول الأمازيغية، قبل أن يتوج ذلك بخطاب أجدير سنة 2001، الذي اعترف فيه بالأمازيغية كمكون أساسي للهوية الوطنية، وأعلن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (إركام)، وكان ذلك لحظة مفصلية في تاريخ المملكة.
بنفس الإرادة، إختار الملك أن يغير مفهوم السلطة، من السائد إلى مفهوم جديد، أي تقديم تصور يقول على جعل السلطة في خدمة المواطنين، ولم يكن هذا الورش الوحيد بل قرر ايضا فتح نقاش حول مدونة الأسرة وهو النقاش الذي انتهى بصدور المدونة في العام 2003.
وبشكل مواز، فتح الملك، في خطوة غير مسبوقة في المحيط الإقليمي، نقاشا وطنيا حول ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، أفضى إلى تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004.
في بداية الألفية الثالثة، أطلق محمد السادس ثلاثة أوراش كبرى، اثنان منها داخليان، بهدف تقييم السياسات العمومية منذ الاستقلال. وجاء هذا التقييم من خلال اللجنة المغربية المغربية، التي أصدرت لاحقا تقرير الخمسينية حول “المغرب الممكن”، وهو وثيقة مرجعية رسمت معالم النموذج التنموي الجديد.
بالتوازي، تم إطلاق مشاريع استراتيجية غيرت وجه الاقتصاد المغربي، مثل ميناء طنجة المتوسط الذي جعل من المغرب منصة لوجستيكية عالمية، ثم لاحقا ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشاريع تهيئة حضرية كبرى مثل مشروع تهيئة أبي رقراق بالرباط، وغيرها من المبادرات.
منذ أحداث 1999 بالعيون، انخرط الملك محمد السادس في نقاش هادئ وغير علني حول قضية الصحراء المغربية، شمل أطرافا من الداخل والخارج، بمن فيهم من يوصفون بـ”بوليساريو الداخل”. هذه الحوارات، التي جرت بعيدا عن الأضواء وبعيدا عن الوساطات الرسمية، أحيت الحوار المباشر الذي كان الملك الراحل الحسن الثاني قد بدأه مع جبهة البوليساريو بمدينة مراكش، وأسند إلى ولي العهد آنذاك مهمة الاستمرار في الحوار، قبل أن يفشله وزير الداخلية الراحل إدريس البصري.
نتيجة لهذا المسار التراكمي، تم بلورة مقترح الحكم الذاتي كحل مغربي للنزاع، وهو مقترح وضع في صورته النهائية سنة 2006، بعد مشاورات شملت شخصيات مغربية من الأقاليم الجنوبية وخبراء دوليين. تم إبلاغ أعضاء مجلس الأمن الدائمين، إضافة إلى إسبانيا وعدة بلدان أخرى، بالمبادرة المغربية قبل الإعلان عنها رسميا.
بعد حوارات غير علنية في عواصم أخرى انطلق سنة 2007، حوار مباشر في جولات عدة في مانهاستن بنيويورك، تحت رعاية الأمم المتحدة، حيث شارك عن الجانب المغربي كل من وزراء الخارجية والداخلية والوزير المنتدب في الداخلية، والمدير العام للمخابرات الخارجية، إلى جانب رئيس والأمين العام للمجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية، وشخصيات أخرى منحدرة من الأقاليم الجنوبية ومن غيرها من الاقليم المغربية الأخرى، فيما ترأس وفد البوليساريو المرحوم محفوظ علي بيبا إلى جانب عدد من قادتها.
ومنذ ذلك الوقت، وعلى مدى ما يقارب العقدين، استمر المغرب في إقناع المجتمع الدولي بجدوى هذا المقترح، إلى أن صوت مجلس الأمن اليوم، بأغلبية أعضائه، على المقترح المغربي.

هيئة تحرير مجموعة “كاب ميديا”