إبراهيم السبيطي… نضال بلا مساومة وحياة بلا تراجع

 

 

إبراهيم السبيطي، المناضل الصامت، والرجل الشهم، غادرنا بعد صراع مع المرض، تاركاً بصماته العميقة في ذاكرة اليسار المغربي، مجسدة صبره الذي واجه به الاعتقال والتهميش وقسوة الحياة دون انكسار.

 

وُلد إبراهيم السبيطي سنة 1959، بقصر الخملية جنوب الريصاني، بمنطقة الطاووس القريبة من مرزوكة، في أسرة فقيرة مادياً، غنية بقيمها الإنسانية، وأنفتها، وصلابة مواقفها. اضطرت عائلته، بفعل الجفاف، إلى الهجرة والاستقرار لاحقاً بمدينة قصر السوق، الراشيدية حالياً، حيث ترعرع بين أحيائها الشعبية، وتشكل وعيه الأول على إيقاع الحرمان، الذي تحوّل لديه إلى وعي نقدي مبكر.

 

تابع دراسته الابتدائية بمدرسة النخيل، ثم بثانوية بيرد، حيث نال شهادة البكالوريا سنة 1980. كان تلميذاً لامعاً، ذكياً، مجتهداً، ومحباً للفن، برز كرسام موهوب، يرى في الجمال شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة.

 

التحق بعد ذلك بكلية العلوم بظهر المهراز بفاس، وحصل على الإجازة في الجيولوجيا والبيولوجيا، وهناك انخرط في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ضمن فصيل الطلبة القاعديين، وتحمّل مسؤوليات تنظيمية داخل أجهزة الاتحاد. لم يكن النضال بالنسبة إليه هواية طلابية، بل خياراً وجودياً، سرعان ما دفع ثمنه حين اعتُقل سنة 1984، خلال الحملة التي استهدفت الحركة الطلابية في سياق انتفاضة يناير.

 

خرج من الاعتقال أكثر صلابة، لكنه اصطدم لاحقاً بتعسفات إدارية حرمته من دبلوم التخرج من كلية علوم التربية. لم ينكسر، بل انخرط في حركة المعطلين، وساهم في بنائها وتأطيرها بمدينة الراشيدية، مؤمناً بأن الدفاع عن الحق في الشغل امتداد طبيعي لمعركة الكرامة.

 

إبراهيم السبيطي كان إنساناً قبل أن يكون مناضلاً. كتوم الألم، واسع القلب، دائم الابتسامة، يخفف عن الآخرين وهو أحوج من يخفف عنه. عاش بسيطاً، اشتغل في المناجم والبناء، ثم في القطاع الخاص بين فاس وسلا والراشيدية، قبل أن يلتحق بقطاع التعليم في إطار التوظيف المباشر، ليستقر بمدينة طنجة إلى أن وافته المنية.

 

سياسياً وحقوقياً، ظل وفياً لاختياراته التقدمية. انخرط في العمل الثقافي والحقوقي من خلال جمعية النهضة الثقافية، ونادي النخيل السينمائي، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان. ساهم في مسار التجميع بالراشيدية، ثم كان من مؤسسي حركة الديمقراطيين المستقلين، ومن المنخرطين في الحزب الاشتراكي الموحد، ولاحقاً في الفيدرالية، محتفظاً بعلاقات متوازنة ومحترمة مع مختلف الأطياف السياسية.

 

ما ميّز إبراهيم السبيطي هو أنه لم يساوم يوماً على مبادئه. كان يؤمن بأن التخلي عن المبدأ خيانة للذات قبل أن يكون خيانة للقضية. لم يرفع صوته كثيراً، لكنه كان واضحاً، ثابتاً، صلباً، يستمد قوته من قناعة داخلية بأن النضال أخلاق قبل أن يكون شعارات.

 

برحيله، فقدت الراشيدية، واليسار المغربي عموماً، واحداً من أبنائهما البررة؛ مناضلاً قاعدياً خرج من الهامش الاجتماعي والجغرافي للجنوب الشرقي، وحوّل التهميش إلى وعي، والحرمان إلى طاقة مقاومة، والحياة القاسية إلى درس في النبل.

 

رحل إبراهيم السبيطي، لكن أثره باقٍ في ذاكرة رفاقه، وفي احترام خصومه، وفي صمت الذين يعرفون أن بعض الرجال لا يُقاسون بما قالوا، بل بما تحمّلوه في صمت.

 

سلام على روح من عاش واقفاً… ورحل واقفاً.