عبر المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن قلقه البالغ إزاء دخول قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حيز التنفيذ، محذرا من تداعياته على منظومة الحقوق والحريات، ومعتبرا أن مقتضياته لا ترقى إلى مستوى الانتظارات الحقوقية ولا تنسجم كليا مع الدستور والالتزامات الدولية للمغرب.
وأوضحت الجمعية، في بيان لها، أنها تتابع هذا القانون في سياق وطني دقيق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول واقع العدالة الجنائية، مؤكدة أنه رغم تضمنه بعض المستجدات الإيجابية، خاصة المرتبطة بتحديث المساطر والرقمنة، فإن القراءة الحقوقية المتأنية تكشف عن “تراجعات مقلقة” تمس جوهر ضمانات المحاكمة العادلة.
وسجل المكتب المركزي أن القانون الجديد أبقى على اختلالات بنيوية، على رأسها استمرار الاعتقال الاحتياطي كأحد أخطر مظاهر المساس بالحرية الفردية، مبرزا أن نسبته ما تزال تفوق 40 في المائة من مجموع الساكنة السجنية، خلافا لكونه إجراءً استثنائيا، كما انتقد الإبقاء على مبررات “فضفاضة” للاعتقال الاحتياطي، وفتح الباب أمام تمديده بطلب من النيابة العامة دون رقابة قضائية فعالة، ما يحوله، بحسب الجمعية، إلى “عقوبة مقنعة”.
كما نبه البيان إلى التوسع الملحوظ في صلاحيات النيابة العامة، خاصة في ما يتعلق بتمديد الحراسة النظرية، ومراقبة الاتصالات، والتفتيش خارج الأوقات القانونية، مع غياب ضمانات كافية للرقابة القضائية المسبقة، وضعف دور قاضي التحقيق، وتقييد حق الدفاع في الطعن الفوري في الإجراءات الماسة بالحرية والخصوصية.
وانتقدت الجمعية بشدة التعديلات المتعلقة بالمادتين 3 و7 من القانون، معتبرة أنها تقيد الحق في التقاضي وتحاصر أدوار المجتمع المدني، خصوصا في قضايا حماية المال العام ومكافحة الفساد، من خلال منع الجمعيات من التنصيب كطرف مدني، وتعقيد ولوج الضحايا للعدالة، ما يكرس، بحسب البيان، سياسة الإفلات من العقاب.
وفي ما يخص القضايا ذات الحساسية السياسية أو الاجتماعية، حذرت الجمعية من أن تمديد الحراسة النظرية يظل خاضعا لتقدير النيابة العامة وحدها، في غياب رقابة قضائية آنية، بما يفتح المجال أمام انتهاكات محتملة للحقوق الأساسية.
كما سجل المكتب المركزي غياب مقتضيات صريحة تلزم بإجراء فحص طبي مستقل في حالات الاشتباه في التعذيب أو سوء المعاملة، وعدم التنصيص على التسجيل السمعي البصري الإجباري لجميع مراحل البحث، معتبرا ذلك “ثغرة خطيرة” في ظل استمرار الاعتماد على محاضر الضابطة القضائية والاعترافات.
ورغم الترحيب المبدئي برقمنة المسطرة الجنائية، نبهت الجمعية إلى غياب ضمانات واضحة لحماية المعطيات الشخصية وأمن الأنظمة المعلوماتية، محذرة من أن تتحول الرقمنة إلى تهديد للخصوصية بدل أن تكون أداة لتعزيز الشفافية.
وخلص المكتب المركزي إلى أن قانون المسطرة الجنائية 03.23 يعكس التزاما جزئيا فقط بالمعايير الدولية، ويفتقر إلى إرادة حقيقية لتفعيل الإصلاح عبر آليات دقيقة للرقابة والمساءلة، مؤكدا أن هذا النص لا يرقى إلى مستوى “التحول الحقوقي العميق” الذي ينتظره المجتمع المغربي.
وطالبت الجمعية، في ختام بيانها، بمراجعة مقتضيات الاعتقال الاحتياطي، وتقييد سلطات النيابة العامة، وتعزيز ضمانات مناهضة التعذيب، وتمكين الحق في الدفاع منذ اللحظة الأولى للاعتقال، وإحداث صندوق مستقل لتعويض الضحايا، وضمان الشفافية والمساءلة في جرائم المال العام.

