تمثال المدرجات.. حينما يتحول التشجيع إلى رسالة إنسانية

لم يكن المغرب مجرد مضيف لمباريات كأس أمم إفريقيا 2025، بل تحول إلى مسرح للحظات استثنائية في المدرجات، بدءا من لقطات الاحترام والتآخي بين مشجعي مختلف المنتخبات، وصولا إلى المشجع الكونغولي كوكا مبولادينغا، المعروف بـ«لومومبا»، الذي خطف الأنظار برسالته الإنسانية وصموده ودعمه الثابت لمنتخب بلاده الكونغو الديمقراطية طوال البطولة، ففي كل مباراة، كان كوكا يقف ساكنا، مقلدا وضعية زعيم الاستقلال الكونغولي باتريس لومومبا، ليصبح رمزا حيا للتاريخ والصبر الوطني وسط أجواء حماسية وعاطفية في المدرجات.

تمثال حي  

كوكا، الذي ارتدى ملابس زاهية الألوان ورفع ذراعه اليمنى كما لو كان تمثالا صامتا، خطف الأنظار ليس فقط بين الجماهير، بل أيضا على منصات التواصل العربية والأجنبية، ليصبح رمزا للصمود والتاريخ، ويرافقه مجموعة من المؤيدين الذين تكفلت حكومة الكونغو بنفقات سفرهم إلى المغرب لمشاهدة مباراة «الفهود».

استوحى كوكا مبولادينغا وضعية وقوفه من زعيم الكونغو الديمقراطية التاريخي، باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء للبلاد بعد الاستقلال عام 1960، وله في تقليده رسالة قوية من خلال كرة القدم، فراحة اليد الممدودة هي علامة على السلام، السلام الذي حلمت به إفريقيا لسنوات طوال.

وقد شهدت مباراة الكونغو ضد الجزائر في الدور ثمن النهائي لحظة مؤثرة، حيث ظل كوكا واقفا طوال 120 دقيقة، حتى لحظة إطلاق الحكم صافرة النهاية بعد خسارة منتخب بلاده 1-0 في الأشواط الإضافية، حينها انفجرت مشاعره بالبكاء، لتظهر الكاميرات دموعه وانكساره بعد خروج «الفهود» من البطولة، فيما وصفه متابعون بأنه «تمثال حي» لم يدم صموده إلا طوال زمن المباراة، مؤكدين على قوة الرمز الذي يجسده.

ورغم خروج منتخب الكونغو الديمقراطية من البطولة، فإن قصة كوكا مبولادينغا وعلاقته بتمثال باتريس لومومبا التاريخي ستظل إحدى اللحظات الأكثر تأثيرا في نسخة 2025 من كأس أمم إفريقيا، لتؤكد أن المدرجات أحيانا تصنع أبطالا بقدر ما يفعل اللاعبون في الميدان.

صورة للمشجع الكونغولي في شارع باتريس لومومبا بالرباط
صورة للمشجع الكونغولي في شارع باتريس لومومبا بالرباط

من هو باتريس لومومبا ؟

باتريس لومومبا هو أول رئيس وزراء للكونغو الديمقراطية بعد استقلالها عن بلجيكا في 30 يونيو 1960، لعب دورا بارزا في حركة التحرر الوطني وحماية استقلال بلاده، لكنه واجه انقلابا داخليا بدعم بلجيكي، وتم اغتياله بطريقة وحشية في 17 يناير 1961 على يد مجموعة من الجنود الكونغوليين بإشراف مسؤولين بلجيكيين، إذ تم تقطيع جسده وإذابته في حمض الكبريتيك.

هذا التاريخ الدموي جعل من لومومبا رمزا للصمود الوطني والنضال ضد الظلم والاستعمار، وهو ما يجعل موقف كوكا في المدرجات أكثر رمزية، باعتباره تجسيداً حيّاً لروح المقاومة والانتصار على التحديات.