بورتريه: توماس سانكارا .. الشاب الافريقي الذي قضّ مضجع مصاصي الدماء

بقلم : محمد المساوي

في قاعة رسمية بالعاصمة الاثيوبية أديس أبابا، في يوم حار صائف 29 يوليوز سنة 1987، وقف توماس سانكارا أمام صف من الرؤساء الأفارقة، ببزة عسكرية بسيطة لا تعلوها النياشين المستعارة، بنبرة حازمة، وخطاب لا يشبه ما اعتادت عليه القمم الإفريقية، وصف الدَّين الخارجي بأنه “شكل من أشكال الاستعمار الجديد”، ودعا إلى رفض سداده جماعيا، فساد صمت ثقيل. لم يكن الخطاب مجرد موقف سياسي، بل إعلان مواجهة مفتوحة مع منظومة كاملة من المصالح الدولية والإقليمية. في تلك اللحظة، بدا واضحا أن هذا الرئيس الشاب لا ينوي لعب الدور الذي رُسم لبلاده، وبدا ان كلماته قد ارتعدت لها فرائص مصاصي الدماء.

 

وُلد توماس إيسيدور نويل سانكارا سنة 1949 في فولتا العليا، الدولة الفقيرة الخارجة لتوها من الوصاية الفرنسية. التحق بالمدرسة العسكرية، حيث تميّز بانضباطه واهتمامه بالقراءة السياسية والفكرية. داخل الجيش، تشكّل وعيه على تماس مع الأفكار الماركسية وتجارب التحرر العالمية، لكنه سرعان ما اتخذ مسافة من النقل الحرفي للنماذج، واضعا نصب عينيه سؤال الاستقلال الفعلي: كيف يمكن لدولة إفريقية أن تحكم نفسها خارج شروط التبعية؟

 

ظهر اسمه في المشهد السياسي أواخر السبعينيات، حين شغل مناصب حكومية قصيرة، أبرزها وزارة الإعلام بداية الثمانينات، حيث كان يأتي الى الوزارة على دراجة هوائية، لم يلبث أن عُزل بسبب خطاب اعتُبر صداميا، ثم اعتُقل، ما ساهم في تحويله إلى رمز لدى قطاعات من الشباب والجنود. في الرابع من غشت 1983، وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري قاده كومباوري حظي بدعم شعبي واضح، ليصبح، في الرابعة والثلاثين من عمره، أصغر رئيس دولة في العالم انذاك.

 

منذ البداية، اختار سانكارا كسر الأعراف، حيث خفّض رواتب كبار المسؤولين، وألغى الامتيازات، وفرض نمط عيش متقشف على أعضاء حكومته. باع السيارات الفارهة التابعة للدولة، وفضل التنقل بسيارات اقتصادية. لم تكن هذه الإجراءات معزولة عن خطابه، بل جزءا من استراتيجية تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وإلى استعادة قدر من الثقة المفقودة في السلطة.

 

سياسياً دشّن قطيعة رمزية بتغيير اسم البلاد إلى “بوركينا فاسو”، أي “أرض النزهاء” باللغة المحلية . اقتصادياً، رفض برامج التقويم الهيكلي، وانتقد علنا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، معتبرا أن الدَّين الخارجي الية لإدامة السيطرة على الدول الفقيرة، وهو نوع من الاستعمار الجديد، ودعا مقابل ذلك إلى الاعتماد على الذات، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتمكّن خلال فترة قصيرة من تحقيق نتائج ملموسة في مجال الأمن الغذائي.

 

اجتماعياً، أطلق برامج واسعة في الصحة والتعليم، أبرزها حملات تلقيح جماعية شملت ملايين الأطفال في أسابيع معدودة، وهو إنجاز نادر في بلد محدود الموارد. في ملف المرأة، اتخذ مواقف صريحة، واعتبر أن أي مشروع تحرّري يتجاهل النساء مشروع ناقص. حارب ممارسات تقليدية راسخة، حيث يُعد الرئيس الأول في تاريخ إفريقيا الذي منع ختان الاناث وزواج القاصرات وتعدد الزوجات، وفتح المجال أمام النساء لتولّي مناصب مسؤولية، مما أثار مقاومة داخل المجتمع والنخب التقليدية.

 

على المستوى الثقافي، اشتغل سانكارا على تفكيك آثار الاستعمار الرمزية. دعا إلى ارتداء الأزياء المحلية، وإلى استهلاك المنتَج الوطني، معتبرا أن التبعية لا تتغذّى فقط من الاقتصاد، بل من الذهنيات.

بعد شهور قليلة من حكمه نجح في القضاء على المجاعة مع الاكتفاء الذاتي الزراعي وإصلاح الأراضي، كما أعطى الأولوية للتعليم بحملة لمحو الأمية في جميع أنحاء البلاد، وتعزيز الصحة العامة عن طريق تطعيم 2.5 مليون طفل ضد التهاب السحايا، والحمى الصفراء والحصبة، فانتقلت اعداد وفيات الاطفال من 280 طفل لكل الف، الى 145 ففط لكل الف طفل.

 

كما اشتغل على برنامج غرس 10 ملايين شجرة من أجل إيقاف التصحر والذي يعد الأول من نوعة في تاريخ إفريقيا، فضلاً عن الاكتفاء الذاتي حيث أصبحت بوركينا فاسو أول دولة في تاريخ إفريقيا مكتفية ذاتياً مع وجود فائض في الإنتاج، إضافة إلى تشييد مئات الكيلومترات من الطرق والسكك الحديدية من أجل ربط سكان الريف مع المدن، وإنشاء مئات القرى مع مستوصف ومدرسة لكل قرية.

 

لكن هذا المسار السريع والجذري جعل الامبريالية ومصاصي الدماء يتوجسون من اتساع رقعتها الى بلدان افرقية اخرى؛ البقرة الحلوب بالنسبة اليهم.

كما تضرّرت داخليا مصالح الاوليغارشية و النخب الإدارية والاقتصادية. وفي 15 أكتوبر 1987، قُتل خلال انقلاب عسكري قاده رفيقه السابق بليز كومباوري الي اصبح عميلا للامبريالية، وكان سانكارا يحدس هذا المصير، اذا اسر لرفاقه قبل اغتياله بأيام قائلا: “قُتل غيقارا في سن 39، وانا الان أبلغ 37 لم يتبق لي الا القليل” .

 

بعد اغتياله، تحوّل سانكارا من رئيس دولة إلى رمز. لم تُختبر سياساته على المدى الطويل، ولم تُتح له فرصة مواجهة تعقيدات الحكم المستدام، لكن أثره تجاوز زمنه القصير. في قارة اعتادت الزعماء طويلي البقاء، بقي سانكارا حاضرا، لأن تجربته طرحت سؤالا لا يزال معلّقا: هل يمكن للسياسة في إفريقيا أن تكون غير تابعة لمصاصي الدماء، أم أن ثمن النزاهة يظلّ، في الغالب، العزلة ثم الإقصاء والاغتيال؟

 

من رماد تجربة سانكارا انبعث ابراهيما تراوري، ليقتفي دربه، وهو الذي ولد سنة بعد استشهاده، اذ يمجرد وصوله الى السلطة طرد القوات الفرنسية، وشرع في تطبيق العديد من الاصلاحات المستوحاة من روح تجربة سانكارا، في ماي الماضي كشف عن نصب تذكاري لسانكارا في العاصمة وغادوغو، وفي الحفل قال ابراهيما تراوري: “الثورة التي تركها لنا توماس سانكارا هي الروح والفعل.. نحن مصمّمون على إبقاء الشعلة متقدة لإضاءة المسيرة المشرقة لشعبنا نحو أفق السعادة.. لن ننحني. الوطن أو الموت، سننتصر”.