يعتقد كثيرون، أن عزيز أخنوش، عندما بعثه والده إلى كندا، إنما فعل ذلك من أجل التحصيل العلمي، غير أن الحقيقة هي أنه بعثه للحصول على دبلوم مجاراة للموضة السائدة حينها وسط أبناء الأعيان.
والده الذي أرسله لهذا الغرض المحدد، إختار هو الأخر مصاهرة عائلة معروفة لها امتدادات في مختلف المراكز. ووسط هذه الامتدادات يتم التباهي بالدبلومات من الخارج.
هذه قصة الدراسة في كندا بكل اختصار.
و عندما عاد إلى المغرب، ولأن الهاجس التجاري هو الذي كان يحكم تصرفات الوالد، وجه ابنه أخنوش الصغير، ليرتبط بأبناء رجال السلطة الكبار سيرا على نهجه.
فنهج السلطة كان نهج والده، وعكس ما يشاع، وقد صدق البعض تلك الاشاعات، التي تفيد أن والده كان مقاوما. رغم أن كل كتب التاريخ و شهادات المقاومين لم تذكر اسم والده، بل هناك من ذهب بعيدا في القول، بأن من الزبناء التجاريين لوالده كانت الإدارة الفرنسية.
توجيهات الأب بالارتباط بأبناء كبار رجال السلطة، أثمرت علاقة تجارية مع ابن إدريس البصري، الذي أصبح شريكا لأخنوش في التجارة بالاسم وليس بالمال، حتى تطورت العلاقة، وكانت سببا في ارتباط أخنوش بالبصري الأب، الذي عبد لأخنوش الطريق وجعل منه رئيسا لجهة أكادير بعد انتخابات 1997، والتي “خاضها” كمرشح عن “حزب إدريس البصري”!
ظل أخنوش في منصبه حتى الانتخابات الجماعية لسنة 2003، وهي الفترة التي لحق الغضب إدريس البصري، ليقرر أخنوش التنكر لولي نعمته وابن البصري، ويبحث عن مظلة جديدة في محيط العهد الجديد.
قاده البحث إلى محاولات للتقرب من حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي كان يقود حكومة التناوب، بزعامة عبد الرحمان اليوسفي، وفي سياق هذا التقرب حضر نشاطا انتخابيا حول الجهوية بمراكش نظمه حزب الوردة، وهناك عرض نفسه كمرشح للحزب في أكادير، لأنه كان يعتقد أن الحظوة بعدما سحبت من إدريس البصري، أسندت لحزب الاتحاد الاشتراكي.
طلبه جوبه برفض شديد من الاتحاديين، الذين يعتبرون أكادير قلعة اتحادية تاريخية، وبالتالي من يقود الانتخابات باسم الحزب في هذه المدينة، يجب أن يكون اتحاديا قحا، وليس من تربوا في حضن حزب البصري.
عندما رفضه الاتحاديون عاش أزمة نفسية كبيرة، قيل أنه زار بسببها الطبيب، وفي نفس الوقت عاش على وقع أزمة اقتصادية خانقة في حكومة جطو، كادت أن تعصف بثروته القليلة، بل إن الأبناك حينها باشرت عمليات الحجز على أملاكه بسبب حالة الافلاس.
مرة أخرى وأمام أوضاعه الصعبة، راح يبحث عن أشخاص في دواليب القرار أو قريبين من دواليب القرار، ليساعدوه للخروج من حالة الإفلاس.
في هذا السياق، بدأ ينظم اللقاءات في مناسبات متفرقة، يدعو إليها أصحاب النفوذ وبعض رجال الأعمال، ويعلن فيها عن خدماته. واستمر هذا الوضع على حاله حتى 2007.
بعد انتخابات 2007 التي حملت الاستقلالي عباس الفاسي إلى الوزارة الأولى، عاد أخنوش ليمارس طقوسه المفضلة والمعهودة، بالتقرب هذه المرة من حزب الحركة الشعبية، عله ينال منصبا في الحكومة باسمه. غير أن رفض الحركة الشعبية المشاركة في حكومة الفاسي، لأسباب سيأتي وقت ذكرها والتفصيل فيها، فوت على أخنوش فرصة الاستوزار باسم حزب السنبلة.
بعد ذلك راح يطلب ود حزب التجمع الوطني للأحرار، عبر عائلة آل المنصوري (مصطفى المنصوري وإخوانه)، ليتم استوزاره بمعية آخرين مثل أمينة بنخضرة.
وهو في منصبه الوزاري، وعندما كانت هناك استعدادات لتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، أصبح يزور يوميا بعض المؤسسين، واقترح نفسه ليكون أحد الداعمين والمسؤولين بشكل علني، وهكذا تم إلحاقه بمكتب حركة لكل الديمقراطيين التي اتخذت بحضوره فيما بعد قرار تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، وهو وزير باسم التجمع الوطني للأحرار.
أكثر من ذلك، ففي خضم الانتخابات الجزئية التي عرفتها مدينة تيزنيت سنة 2008، ظهر وهو يدعم مرشح الأصالة والمعاصرة في مواجهة مرشح حزبه التجمع الوطني للأحرار، وكانت الصورة التي وثقت لهذه “الهرولة السياسية” صورة فاضحة.
ظل على هذا النهج، حتى ما سمي بالربيع العربي، حينها وكما هي عادة الوصوليين، اتخذ قرارا بالابتعاد عن من دعمه وانقذه من الإفلاس، ولم يكتفي بذلك بل ارتمى في أحضان حزب العدالة والتنمية، ووصل به الأمر بعد انتخابات 2012 أن طلب من رئيس الحكومة عبد الاله بن كيران، أن يحافظ عليه كوزير للفلاحة، في تشكيلته الجديدة، و ذلك ما فعله بن كيران.
في حين أن حزبه الأصلي، التجمع الوطني للأحرار اصطف إلى جانب الأصالة والمعاصرة في المعارضة، وخرج بالبيان الشهير الذي ينهي فيه مساره السياسي، وتشبثه بالمنصب الحكومي بدعوى الاستمرار في إنجاز الأوراش الكبرى من قبيل مخطط المغرب الأخضر ومخطط أليوتيس، اللذان في ظلهما عاش المغرب أحلك فتراته، من حيث ضمان المنتوجات الفلاحية في الأسواق وبأسعار معقولة.
بل كانت من بين الأسباب الرئيسية لأزمة المياه التي يعيشها المغاربة اليوم، دون الدخول في تفاصيل المعطيات الأخرى المرتبطة بهذه المخططات، والتي تكشف أنه قام بأشياء كثيرة في إطارها إلى غاية سنة 2016، وسيحين وقت بسطها أمام العموم.
والواقع ما اشبه قرار او استقالة الامس بقرار عدم الترشح الذي حملته تصريحاته أمس، فاخنوش نفسه الذي قدم استقالته في السابق مفضلا المنصب الحكومي على الصفة الحزبية، هو نفسه الذي عاد إلى الحزب ليس كعضو بل كرئيس له ووزير في الحكومة، مكرسا بذلك صورة الرجل الذي يتصرف بمنطقة مسير محطة البنزين، على حساب صورة السياسي الذي يجب أن يكون سيد مواقفه.
بعد مناورة الاستقالة والعودة، في نسختها الاولى، لم يتوقف عن أسلوب “الاحتيال السياسي”، حتى مع حكومتي بن كيران والعثماني، ولعل من صورها الدالة سحب البساط من تحت بن كيران في قضية صرف اعتمادات صندوق العالم القروي.
في الحكومة التي يرأسها بعد الانتخابات التشريعية الاخيرة، لم يحد عن ذلك المنطق والنهج، فكانت فضائح تضارب المصالح و مراكمة الثروة من داخل السلطة، العنوان البارز لهذه المرحلة.
أخنوش، الذي غادر السلطة رئيسا للجهة سنة 2003، عاد إليها من خلال الوزارة وهو شبه مفلس سنة 2007. ثم تضاعفت ثروته بنحو أكثر من عشرين مرة إلى يوم الناس هذا.
وإذا كانت القاعدة تفيد بأن دخول رجال الأعمال إلى المعترك السياسي يؤدي عادة إلى ركود في أموالهم، إن لم تتراجع، فإن هذه القاعدة تنقلب في حالة أخنوش، إذ تنتعش ثروته في ظل السلطة، شأنه شأن آخرين، على رأسهم مولاي حفيظ العلمي، الذي سنخصص له بدوره حلقات تُبرز وتُفصّل مساره في عالم المال والسلطة.
في المحصلة، يمكن القول إن قراره بعدم الترشح لولاية ثالثة على رأس حزب الحمامة لا يندرج ضمن خانة القرار المستقل، بل يمكن وصفه بكل شيء إلا بكونه كذلك.
فبالنظر إلى مساره، يتضح أن دخوله إلى المسؤوليات السياسية وخروجه منها لم يكونا يوما نابعين من قناعة سياسية أو مبدئية، وإنما جاءا في كل الأحيان إما خدمة لمصالحه التجارية الخاصة، أو تنفيذا لتوجيهات كانت بدورها منسجمة مع تلك المصالح.
وعليه، فإن استقالته من عدمها ليس خبرا مهما أو ذي وزن في المشهد السياسي المغربي، بل لا يعدو أن يكون خبرا من نفس الحجم الذي كان عليه تعيينه، قبل ثلاثين سنة، رئيسا لجهة أكادير بقرار من إدريس البصري.

