ليست كل الشهادات التي تصنع التاريخ مكتوبة بالحبر، فبعضها كُتب بالصبر، وبالانتظار الطويل، وبحياةٍ عاشت على هامش الضوء لكنها كانت في صميم المعنى. يندرج حوار جوسلين اللعبي مع حنان حراث ضمن هذا النوع النادر من الشهادات التي لا تكتفي باستعادة الوقائع، بل تعيد للذاكرة إنسانيتها، وتكشف ما غيّبته السرديات الرسمية عن تجربة مجلة «أنفاس» وعن سنوات الاعتقال السياسي في المغرب.
في هذا الحوار، لا نتعرّف فقط إلى كواليس مشروع ثقافي طليعي، بل نصغي إلى صوت امرأة عاشت التجربة من داخلها، لا باعتبارها «زوجة معتقل سياسي»، بل كفاعلة في مشروع ثقافي تحرّري، وكسند إنساني حمل عبء الحياة في زمن القمع. إنها شهادة عن الثقافة حين تصبح مصيرًا، وعن المقاومة حين تتجسد في تفاصيل اليومي.
العرض
1. «أنفاس»: من مجلة أدبية إلى مشروع تحرّر ثقافي
تكشف شهادة جوسلين اللعبي أن مجلة «أنفاس» لم تكن مجرد تجربة نشر أدبي، بل كانت مشروعا جماعيا لتفكيك البنى الثقافية الموروثة عن الاستعمار، وإعادة بناء علاقة جديدة بين اللغة والواقع، بين الإبداع والسياسة. لقد أرادت «أنفاس» أن تُحدِث قطيعة مع الأدب التزييني، وأن تجعل من الكتابة فعلًا نقديًا ومسؤولًا.
تُبرز الشهادة أن العمل في المجلة كان عملا حياتيا شاملا: نقاشات، صراعات فكرية، أحلام جماعية، وإيمان عميق بأن الثقافة قادرة على تغيير الوعي، ولو بثمن باهظ. من هنا، لم يكن إغلاق المجلة واعتقال رموزها حدثًا معزولًا، بل نتيجة منطقية لجرأة مشروعها.
2. جوسلين لَعبي: الفاعل الخفي في تجربة ظاهرة
أهمية هذا الحوار تكمن في إعادة الاعتبار لدور جوسلين اللعبي، التي ظلت لسنوات تختزل في موقع المرافِقة، بينما كانت في الحقيقة أحد أعمدة التجربة. فقد ساهمت في التنظيم اليومي للمجلة، وفي حفظ أرشيفها، وفي خلق محيط إنساني وفكري سمح للمشروع بأن يتبلور ويستمر.
تظهر شهادتها كيف كانت النساء جزءا لا يتجزأ من الفعل الثقافي والسياسي، وإن لم تحظ أدوارهن بالاعتراف الكافي. إن هذا الصوت النسائي يعيد كتابة تاريخ «أنفاس» من زاوية مختلفة، أكثر عدلًا وعمقا، ويكسر احتكار السرد الذكوري للذاكرة الثقافية.
3. الاعتقال كما يعاش خارج السجن
من أكثر لحظات الحوار كثافة وتأثيرا حديث جوسلين عن سنوات اعتقال عبد اللطيف اللعبي (1972–1980). فالاعتقال، كما تصفه، لا يتوقف عند أسوار السجن، بل يمتد إلى البيوت والقلوب والحياة اليومية. إنه زمن الانتظار القاسي، والخوف الصامت، والمسؤولية الثقيلة في الاستمرار رغم كل شيء.
تقدم جوسلين صورة نادرة عن مقاومة بلا شعارات، مقاومة تقوم على الحفاظ على المعنى، وعلى حماية الكرامة الإنسانية من التآكل. إنها مقاومة النساء اللواتي حملن العبء مضاعفًا: عبء الغياب وعبء الاستمرار.
4. الكتابة والذاكرة: من التجربة إلى الشهادة
يتقاطع هذا الحوار مع كتاب جوسلين اللعبي «رحيق الصبر»، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى شهادة إنسانية عامة. فالكتابة هنا ليست ترفا، بل فعل نجاة، ووسيلة لمنع النسيان، ومحاولة لترميم الذات بعد العنف.
تكتب جوسلين لا لتدين فقط، بل لتفهم، ولا لتبكي الماضي، بل لتمنحه معنى. وهنا تتجلى قوة الشهادة: في قدرتها على تحويل الألم إلى ذاكرة مشتركة، وإلى درس إنساني يتجاوز اللحظة التاريخية.
إن حوار جوسلين اللعبي ليس مجرد استعادة لمرحلة من تاريخ «أنفاس» أو لسنوات الاعتقال السياسي، بل هو فعل مقاومة متأخر ضد النسيان. إنه يذكرنا بأن التاريخ لا يصنع فقط في لحظات البطولة الظاهرة، بل أيضًا في الصبر اليومي، وفي الأدوار الصامتة التي تحمل الحياة حين ينهار كل شيء.
بهذه الشهادة، تستعيد الذاكرة الثقافية المغربية أحد أصواتها الضرورية، صوتا يقول إن الثقافة، حين تكون صادقة، تصبح شكلا من أشكال الحياة، وإن الحب والوفاء يمكن أن يكونا، في أحلك الظروف، أعمق أشكال النضال.

