حسن المرابط
بين نهاية سنة 2025 وبداية 2026، لم تكن الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب مجرد حدث مناخي عابر، بل لحظة كاشفة كشفت هشاشة المنظومة المائية، وأعادت طرح أسئلة عميقة حول قدرة البلاد على تحويل الماء من مصدر خطر إلى رافعة تنمية.
في الوقت الذي أعادت فيه التساقطات المطرية الحياة إلى السدود والأنهار، كانت السيول تجرف الطرق والحقول، وتغمر القرى، وتكشف مرة أخرى مفارقة مغربية مزمنة: بلد يعاني من ندرة المياه، لكنه يفقد جزءاً كبيراً منها في البحر.
ذاكرة الفيضانات: من القصر الكبير 1963 إلى 2026
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها البلاد غضب الطبيعة.
في يناير 1963، غرقت منطقة اللوكوس والقصر الكبير تحت أمطار استثنائية، خلفت آلاف الضحايا والمشردين، وألحقت خسائر جسيمة بالأراضي الزراعية، كما وثقته الصحافة الإسبانية آنذاك.
بعد أكثر من ستة عقود، تتكرر المشاهد نفسها، وإن في سياق مختلف، حيث تغير المناخ، وتزايد الضغط الديمغرافي، وارتفعت الحاجة إلى الماء بشكل غير مسبوق.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل تعلم المغرب فعلا من درس 1963؟
سبع سنوات من الجفاف… ثم انفجار المطر
على مدى سبع سنوات متتالية، عاش المغرب واحدة من أطول موجات الجفاف في تاريخه الحديث.
انعكس ذلك على القطاع الفلاحي، الذي يمثل نحو 14% من الناتج الداخلي الخام ويوفر أكثر من 40% من فرص العمل.
ووفق تقرير للبنك الدولي، فقد القطاع الفلاحي آلاف فرص العمل بين 2008 و2023 بسبب توالي سنوات الجفاف وندرة الموارد المائية.
غير أن المشهد تغير فجأة منذ نوفمبر 2025، حين شهدت البلاد تساقطات مطرية غير مسبوقة، رفعت نسبة ملء السدود إلى أكثر من 55% نهاية يناير 2026، مقارنة بـ27.6% في الفترة نفسها من السنة الماضية.
كما ساهمت التساقطات الثلجية الكبيرة في تغذية الفرشات المائية وتعويض العجز المتراكم.
بين النعمة والخطر: مفارقة الماء في المغرب
رغم الأثر الإيجابي للأمطار، كشفت الفيضانات عن واقع مقلق:
فالمغرب لا يفتقر فقط إلى الماء، بل يفتقر إلى القدرة على تدبيره.
ففي أحواض اللوكوس وسبو وأبي رقراق وأم الربيع وتانسيفت، تضيع كميات ضخمة من المياه في البحر، في وقت تعاني فيه مناطق أخرى من العطش.
ويؤكد خبراء أن المشكلة ليست في نقص الموارد فقط، بل في غياب شبكة وطنية متكاملة لتحويل المياه بين الأحواض، قادرة على امتصاص الفوائض وتوجيهها نحو المناطق الأكثر خصاصاً.
الطريق السيار المائي: مشروع استراتيجي لم يكتمل
أعادت الفيضانات الأخيرة إلى الواجهة مشروع “الطريق السيار المائي”، الذي أطلق منذ سنة 1997 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه.
ورغم أهميته الاستراتيجية، لم ينجز المشروع إلا جزئيا، حيث تم تحويل المياه من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق لإنقاذ الدار البيضاء ومحيطها من أزمة عطش خانقة.
لكن الجزء الأكبر من المشروع ظل معلقا لعقود، ولم يتم تسريع وتيرته إلا عندما بلغ الإجهاد المائي مستويات مقلقة خلال السنوات الأخيرة.
اليوم، يتفق الخبراء على أن استكمال هذا المشروع لم يعد خياراً تقنياً، بل ضرورة سيادية.
تدخل الدولة: الجيش في مواجهة الكارثة
مع تصاعد الفيضانات، صدرت تعليمات ملكية سامية بالتدخل الفوري للقوات المسلحة الملكية لدعم المتضررين.
وشملت العمليات تعبئة وحدات عسكرية متخصصة، وتسخير وسائل جوية وبرية لإنقاذ المحاصرين، وإجلاء السكان، وتأمين الطرق، وتقديم المساعدات الإنسانية والطبية.
هذا التدخل كشف مرة أخرى أن إدارة الكوارث الطبيعية أصبحت جزءاً من منظومة الأمن الوطني
الاقتصاد تحت رحمة المطر
يؤكد خبراء الاقتصاد أن المغرب لا يزال مرتبطاً عضوياً بالتساقطات المطرية.
فكل سنة ممطرة تعني ارتفاعاً في النمو الاقتصادي، بينما تؤدي سنوات الجفاف إلى تباطؤ اقتصادي واضح.
ويقول أحد الخبراء:
“المغرب ما زال اقتصاداً زراعياً، رغم التحولات الصناعية، ونسب النمو لا تزال رهينة بالسماء”.
وتتوقع المندوبية السامية للتخطيط تسارع النمو خلال 2025 و2026، بفعل انتعاش القطاع الفلاحي، لكن هذا التفاؤل يبقى هشاً أمام تقلبات المناخ.
تفاؤل حذر: هل خرج المغرب من الأزمة؟
رغم الأمطار الغزيرة، يحذر الخبراء من الوقوع في وهم الخروج من الأزمة.
فالمغرب بلد شبه متصحر، والجفاف معطى بنيوي، والتساقطات تبقى استثناءً لا قاعدة.
ويرى المختصون أن الحل لا يكمن في انتظار المطر، بل في بناء سياسة مائية سيادية تقوم على:
• حوكمة المياه،
• استكمال مشاريع تحويل المياه بين الأحواض،
• تطوير البنية التحتية المائية،
• الاستثمار في تحلية المياه،
• إعادة استعمال المياه العادمة،
• وترشيد الاستهلاك.
الماء… قضية سيادة وطنية
تكشف فيضانات 2026 حقيقة واضحة:
الماء لم يعد مجرد مورد طبيعي، بل أصبح قضية سيادة وأمن استراتيجي.
فبين جفاف مزمن وفيضانات مفاجئة، يقف المغرب أمام مفترق طرق تاريخي:
إما تحويل الماء إلى رافعة للتنمية والاستقرار،
أو تركه يتحول إلى تهديد دائم للاقتصاد والمجتمع.

