ناقوس خطر في المتوسط: تراجع مهول للموارد السمكية ودعوات لاستراتيجية تدبيرية جديدة

حذر الدكتور زكرياء قوبع، الباحث في التدبير البيئي والتنمية المستدامة، من وضعية “حرجة” و”تراجع هيكلي” يشهده قطاع الصيد البحري في الواجهة المتوسطية المغربية الممتدة من طنجة إلى السعيدية.

وأوضح في حوار ضمن برنامج “اخترنا لكم” الذي تقدمه الزميلة حنان عزوز، على إذاعة “كاب راديو”، أن هذا الشريط الساحلي يواجه معادلة صعبة تجمع بين ضرورة الاستغلال الاقتصادي وحتمية الحفاظ على النظم البيئية الهشة، مؤكدا أن التشخيص العلمي الأخير كشف عن أرقام صادمة تستوجب التدخل العاجل لحماية الأمن الغذائي ومصدر عيش المجتمعات الساحلية.

وفي تفاصيل الأرقام التي أوردها الباحث، سجل قطاع الصيد انخفاضاً في المفرغات السمكية يفوق 32% ما بين سنتي 2017 و2023، حيث انتقلت الكميات المصطادة من 25 ألف طن إلى حوالي 17 ألف طن فقط. وأطلق الدكتور قوبع “ناقوس خطر” بخصوص أسماك السردين التي شهدت انهيارا حادا في مخزونها بنسبة فاقت 93% بين عامي 2018 و2023، وهو ما يفسر قرار وزارة الصيد البحري الأخير بمنع تصدير السردين هذا العام كمحاولة اضطرارية للحفاظ على ما تبقى من هذا المورد الحيوي.

وعزا قوبع هذه الأزمة إلى تظافر عوامل بيئية وبشرية معقدة، يأتي على رأسها الصيد غير القانوني وعدم احترام فترات الراحة البيولوجية، إضافة إلى تأثيرات التغيرات المناخية التي أدت إلى ارتفاع حرارة مياه المتوسط ونقص الأكسجين، مما تسبب في هجرة الأنواع السمكية النبيلة نحو أعماق أكبر أو نحو الشمال.

كما أشار إلى الضرر الكبير الذي يسببه الدلفين الكبير المعروف بـ”النيكرو” لشباك الصيادين، خاصة في مناطق الحسيمة والجبهة، فضلا عن غزو أنواع دخيلة مثل سمك الأرنب والسرطان الأزرق والطحالب الآسيوية التي بدأت تستعمر المصايد المحلية وتخل بالتوازن البيئي.

أما على المستوى التدبيري، فقد انتقد الباحث تعدد المؤسسات المتدخلة وغياب التنسيق الفعلي فيما بينها، مشيرا إلى أن تطبيق القوانين المستمدة من “النموذج الأطلسي” على البحر المتوسط كان له أثر سلبي نظرا لاختلاف الخصائص الحيوية بين الحوضين، حيث يعد المتوسط بحرا “فقيرا” يتطلب قوانين أكثر مرونة وتكيفا.

كما توقف عند المعاناة الاجتماعية للصيادين التقليديين، الذين يواجهون ارتفاعا في تكاليف المحروقات والمعدات، مما أدى إلى عزوف الشباب عن المهنة وتراجع طلبات دفاتر الإبحار، وهو ما يهدد استمرارية هذا النشاط الاقتصادي والاجتماعي العريق.

وللخروج من هذه الأزمة، دعا الدكتور زكرياء قوبع إلى اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية تشرك المهنيين والباحثين في صنع القرار، مع ضرورة عصرنة القطاع من خلال إقرار “دفتر صيد إلكتروني” وتفعيل المراقبة بالأقمار الاصطناعية في الوقت الآني لمحاربة الصيد العشوائي.

كما اقترح التوجه نحو “الاقتصاد الأزرق” عبر تنويع الأنشطة، مثل الاستثمار في السياحة البحرية العلمية وتربية الأحياء المائية، وتطوير استزراع الطحالب والمحار لتخفيف الضغط على المصايد الطبيعية، مؤكداً أن مستقبل القطاع رهين بالانتقال من منطق “الاستغلال المفرط” إلى منطق “التجديد والاستدامة” لضمان حقوق الأجيال القادمة.