كشف التقرير السنوي لـ “منتدى أنوال للتنمية والمواطنة” حول وضعية حقوق الإنسان بجهة الشرق لسنة 2025، عن مشهد حقوقي واجتماعي يتسم بتحديات كبرى، مسجلا تراجعات مقلقة على مستوى الحريات العامة، وتفاقما للأزمات الاقتصادية والبيئية، إلى جانب استمرار معاناة الفئات الهشة كالمهاجرين والنساء.
التقرير الذي أنجز بدعم من المؤسسة الأورو-متوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، قدم قراءة ميدانية مفصلة ترصد مدى التزام السياسات العمومية الترابية بالمعايير الوطنية والدولية لحقوق الإنسان في المنطقة.
في الشق المتعلق بالحريات العامة، توقف التقرير بشكل بارز عند الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها عدة مدن بالجهة (وجدة، الناظور، بركان، جرسيف…) والتي قادها شباب “جيل زد” أواخر شتنبر وأكتوبر 2025.
وسجل المنتدى لجوء السلطات إلى المقاربة الأمنية الاستباقية لفض هذه الاحتجاجات، مستخدمة القوة التي أدت إلى إصابات في صفوف المحتجين، وحملات اعتقال عشوائية طالت ما لا يقل عن 176 شابا، صدرت في حق بعضهم أحكام بالسجن النافذ.
كما رصد التقرير استمرار التضييق على حرية التعبير، مستدلا بمتابعة نشطاء ومدونين (كحالة الناشط عمر الناجي بالناظور)، فضلا عن حرمان العديد من الجمعيات والنقابات من وصولات الإيداع القانونية لمدد تتجاوز السنتين أحيانا.
اقتصاديا واجتماعيا، دق التقرير ناقوس الخطر بخصوص نسب البطالة التي بلغت 25.2% بجهة الشرق (أي ضعف المعدل الوطني)، بل وتجاوزت 35.7% بإقليم الدريوش. وعزا التقرير هذا الارتفاع إلى ضعف الاستثمارات، وإغلاق المعابر الحدودية دون توفير بدائل اقتصادية، وتراجع القطاع الفلاحي بسبب الجفاف المزمن.
أما قطاع الصحة، فيعاني من نقص حاد في الموارد البشرية (معدل 10 أطباء لكل 10,000 نسمة)، وتأخر كبير في المواعيد الطبية، ونقص في أدوية الأمراض المزمنة. وفي قطاع التعليم، أشار التقرير إلى استمرار ظاهرة الهدر المدرسي وارتفاع نسب الأمية، خاصة في الأوساط القروية ولدى الإناث (52.10%).
لم يغفل التقرير الحقوق البيئية والثقافية؛ حيث سجل استمرار بطء التنزيل الرسمي للغة الأمازيغية في الإدارات، والإعلام، والمحاكم والتعليم.
بيئيا، تواجه الجهة تدهورا خطيرا يتجلى في تلوث 37% من المياه السطحية والجوفية بحوض ملوية وسهل أنكاد، وتدهور الكتلة الغابوية جراء الجفاف والحرائق المتعاقبة (مثل غابات سيدي معافة وغوروغو وتفرسيت)، فضلا عن تلوث الهواء والمجالات الساحلية كبحيرة “مارتشيكا”.
وخصص التقرير محورا هاما للفئات الهشة. فقد وثق مآسي يعيشها المهاجرون وطالبو اللجوء بالمنطقة، لعل أبرزها فاجعة وفاة 9 مهاجرين أفارقة بسبب البرد القارس بمنطقة “رأس عصفور” بجرادة في دجنبر 2025. كما انتقد التقرير ممارسات الترحيل القسري للمهاجرين وتشغيلهم في ضيعات فلاحية بأجور زهيدة.
وفيما يخص حقوق النساء، فرغم الترسانة القانونية، كشف التقرير أن 65.4% من نساء الجهة تعرضن للعنف، مع تسجيل 4092 شكاية بوجدة وحدها خلال 2024. كما تعاني المرأة بالجهة من التهميش الاقتصادي، حيث تشتغل أغلبهن في القطاع غير المهيكل (كالعاملات الزراعيات وعاملات النظافة) بأجور متدنية ودون تغطية صحية، مع إقصاء شبه تام من مواقع القرار السياسي وتدبير الشأن العام.
وختم “منتدى أنوال” تقريره السنوي الأول، بحزمة من التوصيات الموجهة لصناع القرار، أبرزها، الإفراج عن معتقلي الاحتجاجات السلمية وضمان الحق في التظاهر وتأسيس الجمعيات.
كما طالب بتوفير بدائل اقتصادية واستثمارات حقيقية لامتصاص البطالة بالمدن الحدودية والهامشية، و إقرار سياسات صحية وتعليمية تضمن الولوج المتكافئ للخدمات الأساسية.
هذا بالاضافة إلى إحداث مراكز إيواء آمنة للمهاجرين والنساء ضحايا العنف، وإيقاف عمليات الترحيل القسري، و إعلان حالة طوارئ بيئية لإنقاذ الغابات والموارد المائية بالجهة.

