في مساء ثقيل بالحزن، نزل خبر رحيل الفقيد طارق اللوه كالصاعقة على أهله ومعارفه وأصدقائه. فقد غادر الحياة يوم الخميس 02 أبريل 2026، ليوارى الثرى يوم الجمعة 03 أبريل بمقبرة ثارا يوسف بإقليم الحسيمة، تاركا خلفه أثرا إنسانيًا عميقا وذكرى رجل عاش وفيا لقيمه وشغفه.
ولد الراحل أواخر ستينيات القرن الماضي في أسرةٍ عريقة، جمعت بين الانفتاح والتعدد، وامتد حضورها في تاريخ ونضال شمال المغرب. فجده من جهة الأب، المرحوم أحمد بنعلي اللوه، هو شقيق كل من المرحومين عبد الكريم اللوه والعربي اللوه. وقد كان عبد الكريم بن الحاج علي اللوه البقيوي من أبرز قادة الثورة الريفية، حيث مثلها مندوبا في لانجرة وطنجة الدولية، كما اضطلع بمهمة تمثيل الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في إنجلترا. أما العربي اللوه، صاحب كتاب المنهال في كفاح أبطال الشمال، فقد كان عضوا ضمن الحكومة الخليفية في شمال المغرب.

وتتواصل هذه السيرة المشرقة مع كريمة عبد الكريم اللوه، الراحلة أمينة اللوه، التي كانت أول امرأة من شمال المغرب، بل ومن إفريقيا، تنال شهادة الإجازة من مدريد سنة 1957، قبل أن تحصل سنة 1978 على شهادة الدكتوراه في موضوع التعليم الابتدائي بشمال المغرب خلال النصف الأول من القرن العشرين، وهي الأطروحة التي ترجمتها مؤخرا الباحثة حسناء داوود.
نشأ طارق في بيت يجاور منزل الطبيب الإسباني الشهير فذيريكو مولينا، في محيط ساهم في تشكيل وعيه الأول وفتح أمامه آفاقا إنسانية وثقافية متعددة. وهو نجل المهندس الراحل علي اللوه، الذي درس بدوره الهندسة بمدريد ونال دبلومه أواخر خمسينيات القرن الماضي، ووالدته تنحدر من إسبانيا، ما أضفى على شخصيته بعدا إنسانيا وثقافيا متنوعًا منذ الصغر.
حصل الراحل طارق على شهادة البكالوريا بالحسيمة سنة 1988، ليلتحق بعدها بجامعة وجدة حيث قضى سنتين. وعلى إثر المقاطعة الوطنية للامتحانات سنة 1989، انتقل سنة 1990إلى إسبانيا، حيث انخرط في صفوف جمعية المغاربة المهاجرين بإسبانيا (AME)، وكان من نشطائها في الدفاع عن قضايا الهجرة، خاصة مع موجات الهجرة القادمة من شمال المغرب آنذاك. وبموازاة ذلك، استكمل دراسته في مجال الهندسة على خطى والده.

وعلى المستوى الأسري، تزوج من السيدة سهام الخطابي، مهندسة تشتغل بين مدريد والدار البيضاء، وشكلا معا ثنائيا جمع بين الحياة الخاصة والعمل، إذ اشتغلا على مشروع مهم يتعلق بالإنارة بمدينة الدار البيضاء.
لم يكن طارق مجرد مهني ناجح، بل كان أيضا فاعلا ثقافيا ومدنيا. فقد ناضل بمدريد داخل جمعيات تُعنى بالدفاع عن قضايا الريف، وكان من الأصوات المدافعة عن الثقافة الأمازيغية وصون التراث اللامادي للمنطقة. كما خاض تجربة ريادية من خلال إحداث أول محل من نوعه لبيع مختلف الآلات الموسيقية بمدينة الدار البيضاء، فاتحا بذلك فضاء لعشاق الموسيقى.
ومنذ طفولته، كان مولعا بالموسيقى، شغفا لازمه طيلة حياته. أتقن العزف على آلة القيثار، وتأثر بالفنان التشيلي فيكتور خارا، الذي رأى فيه نموذج الفنان الملتزم حيث يمتزج الفن بالقضية. وترك بصمته الفنية من خلال مشاركاته الغنائية داخل المغرب وخارجه، إذ انضم إلى فرقة “تيرلي” وشارك في أداء عدد من الأغاني، من بينها أغنية “مارا غنجغاك أوشاثشي سنص” (إذا غنيت لك فلا تطرب وترقص)، والتي كانت قد أدتها مجموعة “ثيذرين” بقيادة المايسترو حسن ثيذرين أواخر دجنبر 1983 بدار الشباب بالحسيمة.

كما شارك في أمسيات فنية بعدد من المدن الإسبانية، وحضر في مهرجانات رفقة مجموعة “اتواتون”، إلى جانب فنانين بارزين، في تجارب مزجت بين الهوية والالتزام. وقد كان الفنان حسن ثيذرين نموذجا يحتذى به لدى الراحل، وكان يحرص على زيارته كلما حلّ بمنطقة الريف.
وفي محيطه الأسري، كان الفقيد محاطا بعائلة مبدعة؛ من بين أخواته ياسمين، الكاتبة والمبدعة، وعبيدة، الفنانة الموسيقية، ما يعكس الجو الثقافي الذي نشأ فيه واستمر فيه.
لكن، قبل كل هذا وذاك، كان طارق اللوه إنسانا بأخلاق رفيعة وسلوك طيب، محبوبا بين أهله وأصدقائه، حاضرا بروحه المرحة وقلبه المفتوح. كان ممن يتركون أثرا دون ضجيج، ويصنعون الفارق بهدوء.
برحيله، لا تفقد الحسيمة مجرد اسم، بل تفقد روحا كانت تنبض بالفن والالتزام، ووجها من وجوه الوفاء لذاكرة الريف وثقافته.
رحم الله طارق اللوه، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وأبناءه وأحباءه جميل الصبر والسلوان.

