مصفاة “سامير”: صمام الأمان المفقود وسط أعاصير الطاقة وهيمنة اللوبيات

في الوقت الذي تعصف فيه رياح التوترات الجيوسياسية بمنطقة الشرق الأوسط، وتلقي الهجمات والتهديدات المتبادلة بظلالها القاتمة على إمدادات الطاقة العالمية، يجد المغرب نفسه في وضع مكشوف تقنيا واقتصاديا. ومع الارتفاع الصاروخي لأسعار المحروقات الذي ينهك جيوب المواطنين ويهدد التنافسية الاقتصادية، تبرز قضية مصفاة “سامير” بمدينة المحمدية ليس كملف استثماري متعثر فحسب، بل كجرح غائر في جسد السيادة الطاقية المغربية ورمزا لسوء الحوكمة الذي يخدم مصالح “اللوبيات” على حساب المصلحة العليا للوطن.

لم تكن “سامير” مجرد شركة لتكرير البترول، بل كانت العمود الفقري للأمن الاستراتيجي للمملكة. بطاقة تكريرية تصل إلى 6.25 مليون طن سنويا (حوالي 125 ألف برميل يوميا)، كانت هذه المنشأة قادرة في أوج عطائها على تلبية 40% من احتياجات السوق المحلية.

إن ما يجهله الكثيرون هو أن “سامير” تمتلك شبكة تخزين متكاملة، يتقدمها مركز سيدي قاسم المرتبط بخط أنابيب يمتد لـ 200 كيلومتر، وخزانات تتجاوز سعتها الإجمالية مليوني متر مكعب. هذا الاحتياطي الاستراتيجي كان كفيلا بامتصاص صدمات الأسعار العالمية وتأمين إمدادات مستمرة في الأزمات، فضلا عن توفير 1000 منصب شغل مباشر وآلاف الوظائف غير المباشرة التي تبخرت منذ توقف المصفاة في غشت 2015.

خروج “سامير” من دائرة الإنتاج لم يكن مجرد حادث عرضي، بل كان إيذانا بتحول السوق المغربية إلى “ملعب مغلق” تسيطر عليه حفنة من الشركات الخاصة. ومع تحرير أسعار المحروقات عام 2015، وجد المواطن المغربي نفسه وجها لوجه أمام شركات كبرى، من بينها شركة رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش.

وفي نفس السياق سبق، كشف تقرير سابق لمجلس المنافسة سنة 2019، عن وجود “تواطؤ ضمني” بين الشركات الكبرى لتثبيت الأسعار، في خرق سافر للقانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. 

ورغم هذه الأدلة الدامغة، ظلت العقوبات والتدجير الرقابية حبيسة الرفوف، مما سمح لهذه الشركات بالتحكم في استيراد وتوزيع 10 ملايين طن سنويا من المحروقات، وجني أرباح طائلة بينما يكتوي المواطن بنيران الأسعار.

بالعودة إلى الأرشيف الذهبي للاقتصاد المغربي، نجد شهادة تاريخية تعكس القيمة الحقيقية لهذه المنشأة. ففي فاتح يناير 1964، نشرت جريدة “الشعب” الصينية تفاصيل الزيارة الرسمية لرئيس مجلس الدولة الصيني، “تشو إنلاي”، للمغرب.

“تشو إنلاي”، الذي زار المصفاة رفقة ثلة من المسؤولين المغاربة، خطّ في سجل الزوار كلمات بقيت محفورة في التاريخ: “هذه مصفاة عصرية وجيدة، شيدت في فترة وجيزة، وأديرت بكفاءة، ودربت العديد من الأطر والتقنيين، وتستحق أن نتعلم منها”.

أن يقول زعيم دولة بحجم الصين إن بلاده “تستحق أن تتعلم” من مصفاة مغربية في الستينيات، هو اعتراف صريح بعظمة هذا الصرح الصناعي الذي تحول اليوم، وللأسف، إلى أطلال بسبب حسابات ضيقة وصراعات مصالح.