الصورة التي التقطها بيترو ماستورتسو، والتي تصدرت غلاف العدد الأخير من مجلة L’Espresso، أثير حولها الكثير من الجدل والانتقاد والتشكيك. لكنها في الحقيقة ثمرة عمل استمر عشر سنوات في الأراضي المحتلة بالضفة الغربية.
إذا كان الغلاف الأخير للمجلة قد انتشر حول العالم، فلأن العنف في تلك اللقطة ليس تفصيلا عابرا، بل هو الجوهر ذاته، حتى يكاد يتحول إلى وجه للصورة. وجه يفضل البعض عدم النظر إليه، أو يلمح إلى أنه مزيف أو مفبرك. غير أن هذه اللقطة هي نتيجة مسار طويل للمصور بيترو ماستورتسو، الذي جاب منذ عام 2010 غزة والضفة الغربية بنظرة ترفض الاكتفاء بسطح الأحداث، وتسعى بإصرار إلى التعمق في واقع معقد غالبا ما يروى بشكل جزئي أو مبسط، بل وأحيانا مشوه.
يقول المصور: “سألني كثيرون إن كانت الصورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي، بينما ذهب آخرون إلى تأكيد ذلك في منشوراتهم. ما يثير انتباهي هو المفارقة: هناك من يعتمد على الذكاء الاصطناعي ليحدد إن كانت الصورة من إنتاج الذكاء الاصطناعي! هذا تناقض يدعو للتفكير في كيفية بحثنا اليوم عن حقيقة الصور. لكن الجواب بسيط: لا، هذه الصورة ليست مصطنعة. أنا من التقطها يوم 12 أكتوبر الماضي في إدنة، غرب الخليل، خلال اليوم الأول من موسم قطف الزيتون. كان من المفترض أن يكون يوم احتفال، لكن كما يحدث كثيرا، وصل مستوطنون إسرائيليون مسلحون برفقة جنود بوجوه مغطاة، ومنعوا الفلسطينيين من قطف زيتونهم. الأكثر قسوة في هذه الصورة ليس فقط لحظة الالتقاط، بل ما حدث فعليا: المستوطن الظاهر في الصورة ظل يقلد صوت راعٍ يجمع قطيعه، مخاطبا الفلسطينيين كما لو كانوا حيوانات”.
على مدى سنوات، بنى ماستورتسو معرفة عميقة ومتراكمة بالأرض وسكانها ومن يسيطرون عليها، متجنبا الاختزالات السردية. صوره تركز على استمرارية واقع يعيشه الشعب الفلسطيني منذ عقود، يتمثل في القيود والتوترات اليومية والتغيرات التدريجية في المشهدين الإنساني والجغرافي. هذه الرؤية نابعة من حضور دائم، ومن الإصغاء والملاحظة قبل التقاط الصورة. ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال نظرته في موقف واحد.
فقد عمل لسنوات أيضا عن قرب مع المستوطنين الإسرائيليين، حيث دخل مجتمعاتهم وراقب حياتهم اليومية وقواعدهم الداخلية وتوتراتهم وقناعاتهم السياسية. وهو عمل معقد تطلب الوصول والثقة والاستعداد للتفاعل مع جميع الأطراف. في تقريره الأخير، تتجسد هذه المقاربة في سرد أكثر عمقا، إذ تشكل الصور أرشيفا متواصلا لتوسع إسرائيل في الضفة الغربية، وتظهر كيف يتغير الواقع أمام أنظار العالم.
ويضيف المصور: “ولد هذا المشروع من مسافة مفروضة وإحباط حقيقي: مشاهدة ما يحدث في فلسطين دون القدرة على التواجد هناك، في أرض رويتها لسنوات. اليوم أصبح الوصول أكثر تقييدا، خصوصا بالنسبة للصحافة الدولية، وهذا الغياب يفسح المجال لروايات جزئية يسهل الطعن فيها. من هنا تأتي ضرورة دعم من يواصلون التوثيق على الأرض: المصورون الفلسطينيون، الذين أصبحوا ليسوا شهودا فحسب، بل أهدافا أيضا”.
التقرير الذي أنجزه ماستورتسو يندرج ضمن مشروع Prospekt Palestine Project، الذي يهدف إلى دعم وإبراز من يواصلون نقل الحقيقة رغم كل الظروف. ويقوده تجمع Activestills، وهو مجموعة توثق الواقع الفلسطيني منذ أكثر من عشرين عاما، وتبني أرشيفا مستقلا. واليوم، لم يعد الأمر يقتصر على نقل الواقع، بل أصبح يتعلق بالدفاع عن إمكانية عرضه أصلا، وحمايته من التشكيك المتعمد.
ليست هذه المرة الأولى التي تتهم فيها الصور القادمة من الضفة الغربية أو غزة بأنها مزيفة، أو يصنف عمل المصورين الفلسطينيين كدعاية، بل جرى حتى ابتكار مصطلحات مثل “Pallywood” — وهو تعبير ساخر يجمع بين فلسطين وهوليوود — للإيحاء بوجود مؤامرة. لكن هذه الرواية تقوم على عنصر أساسي: الغياب. فحظر دخول الصحافة الدولية إلى قطاع غزة يخلق فراغا يملأ بسهولة بالشك. ويختزل المصورون بعبارات مثل “مصورون تابعون لحماس”، بما يلغي تعقيد عملهم ومصداقيته. ومع ذلك، عندما يوثق نفس الأحداث مصورون دوليون ذوو خبرة وسمعة، تبدأ هذه السرديات في التصدع، وهو ما يبرهن عليه هذا الغلاف.
حتى من يملك تاريخا مهنيا ومنهجا واضحا ومصداقية راسخة، قد يتهم بالتلاعب أو الاختلاق. وهنا تكمن الخطورة الأكبر: فاتهام الصحفي بالكذب دون دليل لا يعد مجرد هجوم شخصي، بل هو تفريغ للصحافة من معناها. فإذا أصبح كل شيء قابلا للوصف بأنه “مزيف”، فلن يبقى شيء يمكن التحقق منه. وعندها لا يعود النقاش حول الواقع، بل يتحول إلى محاولة لإنكاره.
نقلا عن موقع “L’Espresso“

