محمد التكانتي
في واحدة من أكثر القضايا غموضًا في تاريخ المقاومة المغربية، يعود اسم عباس لمساعدي ليطرح من جديد سؤالًا ظل معلقًا لعقود: من يقف وراء اغتياله؟ وهل كانت تصفية حسابات داخلية أم مؤامرة أكبر من مجرد صراع نفوذ؟
هذه المرة، لم تأتِ الإجابات من كتب التاريخ، بل من ذاكرة رجل نجا من تقلبات الزمن، واختزن تفاصيل مرحلة مفصلية بكل دقة ووضوح.
كاب ميديا… حين تقود الصحافة رحلة البحث عن الحقيقة
في خطوة جريئة، أخذت مجموعة كاب ميديا زمام المبادرة، وقررت الغوص في هذا الملف الشائك عبر حوار خاص مع أحد شهود المرحلة: إسماعيل الساسي.
رجل في عقده التسعين، لكنه يتمتع بذكاء متقد وذاكرة حادة، وشخصية قوية تفرض احترامها منذ اللحظة الأولى. الوصول إليه لم يكن سهلًا، فحتى عنوانه لم يكن معروفًا بدقة. ظل يتواصل مع فريق الإذاعة عبر الهاتف، يوجههم خطوة بخطوة داخل أزقة فاس، إلى أن انتهت الرحلة أمام باب شقته.
فتح الباب بابتسامة حذرة… واستقبل الفريق بكرم مغربي أصيل، لكنه فاجأهم بشرط غير متوقع: لا حديث قبل الحلوى والشاي. جلس الجميع، وتحوّل اللقاء في بدايته إلى طقس ضيافة دافئ، قبل أن يبدأ الرجل في طرح أسئلته بدقة الصحفيين: من أنتم؟ ما خطكم التحريري؟ وما طبيعة المنبر الذي تمثلونه؟
وحين اطمأن… انفتح باب الذاكرة.
من السرية إلى التأسيس: ولادة جيش التحرير
يستعيد الساسي تفاصيل تأسيس جيش التحرير المغربي، حيث بدأت النواة في الشمال بعد فرار المقاومين من قبضة الاستعمار الفرنسي، ليجدوا دعمًا نسبيًا في المنطقة الخاضعة للإسبان.
هناك، برز اسم عباس لمساعدي إلى جانب عبد الله الصنهاجي، كقائدين ميدانيين آمنوا بضرورة تأسيس قوة مسلحة مستقلة، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
القاهرة… سر الغياب المثير
من بين أكثر المحطات غموضًا في حياة لمساعدي، رحلته إلى القاهرة، حيث تشير بعض الروايات إلى لقائه بالزعيم عبد الكريم الخطابي.
اختفى لثلاثة أشهر كاملة، ما أثار شكوك رفاقه، قبل أن يعود دون تقديم تفسيرات واضحة، وهو ما زاد من تعقيد صورته داخل التنظيم.
جيشان… وصراع يتصاعد
يكشف الساسي أن جيش التحرير لم يكن كتلة واحدة، بل انقسم إلى جناحين:
جناح الريف بقيادة لمساعدي
وجناح تطوان الذي ضم شخصيات من بينها عبد الكريم الخطيب
هذا الانقسام لم يظل سياسيًا فقط، بل تحول إلى مواجهة ميدانية، خاصة مع تحركات عسكرية متبادلة في مناطق حساسة، في ظل اختراقات استخباراتية كانت تسعى لإضعاف المقاومة.
الاغتيال… حين تتقاطع الخيوط
بحسب رواية الساسي، فإن اغتيال عباس لمساعدي لم يكن حدثًا معزولًا، بل نتيجة صراع داخلي معقد، غذّته حسابات سياسية واختراقات خارجية.
عملية الاختطاف، كما يروي، جاءت في سياق مواجهة مباشرة بين جناحي جيش التحرير، ما يفتح الباب أمام فرضية “التصفية الداخلية” أكثر من أي سيناريو آخر.
تفاصيل إنسانية… ومشهد أخير
وسط كل هذا الصخب، لا تغيب التفاصيل الإنسانية. يروي الساسي كيف كلفه لمساعدي بمهمة نقل أسرته من فاس إلى الناظور، في رحلة محفوفة بالمخاطر، ما يعكس حجم الثقة التي كان يضعها في رفاقه.
لكن المشهد الأكثر إثارة، يبقى ذلك الذي سبق اغتياله: حين تبادل مسدسه مع الساسي. لحظة تبدو اليوم وكأنها تحمل دلالة عميقة… ربما لم يفهم معناها إلا بعد فوات الأوان.
ذاكرة تقاوم النسيان
شهادة إسماعيل الساسي ليست مجرد رواية شخصية، بل قطعة من تاريخ لم يُكتب بالكامل بعد.
وبمبادرة من كاب ميديا، يعود هذا الملف إلى الواجهة، ليس فقط لإعادة قراءة الماضي، بل لطرح أسئلة الحاضر أيضًا:
من كان يخشى قوة جيش التحرير؟
ومن كان المستفيد من غياب عباس لمساعدي؟
ولماذا لا تزال الحقيقة الكاملة حبيسة الظلال؟
بين صمت الأرشيف وجرأة الشهادات، تستمر رحلة البحث عن الحقيقة….
تجدر الإشارة إلى أن تفاصيل أخرى، أكثر إثارة ستعرض في برنامج جديد على مجموعة “كاب ميديا”

