بقلم: خالد بكاري
لا دور للوزير برادة في استفادة أساتذة التعليمين الابتدائي والإعدادي لأول مرة من الترقية إلى الدرجة الممتازة (خارج السلم).
الوزير لم ينفذ إلا ما جاء به النظام الأساسي الجديد لموظفي الوزارة، والذي تم إقراره حين كان بنموسى وزيرا للتربية الوطنية بعد إضرابات ومسيرات قام بها نساء ورجال التعليم.
والحال ان اخنوش لم يكن يريد حلا ينسب لبنموسى، ولفهم ذلك علينا تتبع الحكاية، فالقصة مثيرة، وتكشف كيف تدار عديدة القضايا في هذا البلد.
الترقية كانت مطلبا لهذه الفئة التي كانت ضحية تأويل حرفي للنظام الأساسي السابق، الذي كان ينص على ان هذه الفئة ينتهي مسارها المهني حصرا في السلم 11. وكان الامر يبدو منطقيا على المستوى الشكلي آنذاك، باعتبار انه حين وضع ذلك النظام كان أساتذة الابتدائي والإعدادي قد تم توظيف جزء منهم بناء على شهادة الباكالوريا وجزء آخر بناء على شهادة دبلوم الدراسات الجامعية العامة (باك زائد سنتين)، وعلى هذا الأساس يبدأون مسارهم المهني في السلم التاسع, وبعضهم بدأه في السلم السابع او الثامن، وباعتبار ان اغلب الإطارات المهنية سواء في التعليم او غيره كان لا يسمح لها بالترقية في الدرجة (السلم) إلا مرتين في المسار المهني، كان ينظر إلى انتهاء مسارهم في السلم الحادي عشر بنوع من التقبل.
لكن بعد ذلك، ستقر الوزارة توظيف أساتذة الإعدادي والابتدائي بناء على شهادة الإجازة، مما يجعلهم يبدأون مسارهم المهني في السلم العاشر، وهنا سيحدث تناقض بين قانون الوظيفة العمومية الذي يمنحهم الحق في الترقية لخارج السلم بناء على حقهم في الترقية مرتين في الدرجة على الأقل، وبين النظام الأساسي السابق الذي كان ينص على حصرية انتهاء المسار المهني لهم في السلم الحادي عشر.
كان بإمكان الحكومات المتعاقبة تعديل هذه الجزئية في النظام الأساسي، ولكنهم لم يفعلوا.
بل إن حكومة بنكيران سترفض تطبيق اتفاق 26 أبريل 2011 الذي وقعته حكومة عباس الفاسي قبل رحيلها مع النقابات، وكان يتضمن قبول هذا المطلب. تزامنا مع احتجاجات حركة 20 فبرا
منذ فرض نظام التعاقد، تحولت المدرسة العمومية إلى مجال احتجاجي صرف، وبقيت الحكومات منذ 2016 وهي تتفرج، وتصم آذانها، والضحية كان هو التلاميذ، (الجيل الذي درس في التعليم العمومي ما بين 2016 و 2023 هو الأكثر معاناة من اعطاب المدرسة العمومية عبر تاريخها، إذ عانى من هدر دراسي كبير بسبب الإضرابات ثم التدبير الاستثنائي لمرحلة جائحة كورونا، وللأسف لا نناقش بوضوح هذا الهدر، الذي له انعاكاسات سلبية حتى على الدولة والمجتمع، والتي بدأت ملامحها تظهر في سيادة عدد من السلوكيات والتراجع الكبير في مستويات الطلبة وخصوصا بالكليات ذات الاستقطاب المفتوح)
في هذه الظروف سيتم اقتراح بنموسى وزيرا للتربية الوطنية، باعتباره هو منسق لجنة النموذج التنموي الجديد، لتطبيق مخرجات تقرير اللجنة فيما يخص التعليم.
جيء ببنموسى لهدفين رئيسين: تنزيل مشروع مدارس الريادة، وإنهاء التوتر داخل القطاع، والذي يعني وقف الإضرابات والمسيرات، التي اصبحت لها تداعيات سياسية وأمنية(الدولة وجدت نفسها امام وضع غير مسبوق: آلاف الاساتذة في الشوارع يحتجون، وحوالي ثلاثة مليون تلميذ على الاقل يتسكعون في الشوارع، فالاساتذة في إضرابات ولا وجود لدور شباب او اي مشاريع بديلة لاحتضان التلاميذ في غياب الاساتذة، إلى حد يمكن القول بتداخل السياسي والأمني والمطلبي والاجتماعي والتربوي والأخلاقي والإجرامي.
اخنوش لم يكن مرتاحا لبنموسى، ولو انه استوزر باسم الاحرار (بعد خروج بنموسى من الوزارة لم يشارك في اي نشاط لحزب المازوط بما في ذلك مؤتمره الاخير رغم انه كان ما زال يحمل من الناحية الشكلية صفة عضو المكتب السياسي).
لم يكن اخنوش مرتاحا، لانه لم يختر بنموسى، وإنما فرض عليه، ولأن بنموسى كان يستمد قوته من دائرة خارج رئيس الحكومة، واقوى منه.
كان بنموسى يبدو وكانه ند له، وليس مرؤوسا عنده.
لم يقدم اخنوش اي دعم لبنموسى، حين كانت الاحتجاجات في اوجها، ونتذكر كيف كان بايتاس يجيب الصحافيين في الندوات التي تلي مجلس الحكومة بخصوص الإضرابات، إذ كان يطلب منهم سؤال وزير التربية الوطنية على شاكلة “إذهب انت وربك فقاتلا، إنا هنا قاعدون” او “دبر لمحاينك”.
بل إن اخنوش بعد تحول المسيرات إلى قضية امنية وحقوقية إثر التدخلات العنيفة ضد المحتجين، وبعد رفض نساء ورجال التعليم للنسخة الأولى من النظام الأساسي، دفع الوزيرين السكوري وبايتاس لمحاورة النقابات، دون استشارة بنموسى، في محاولة لإظهاره بمظهر العاجز، وانه من ورط الحكومة والدولة بسوء تدبيره لملف الاحتجاجات.
بنموسى بدوره، سيقوم بريمونتادا، وسيلجأ لمن فرضوه وزيرا في الحكومة، وكلفوه بالمهمتين سابقتي الذكر، وسيصل لحل مع المحتجين عبر نسخة جديدة من النظام الاساسي، وبكلفة مالية اكبر حتى من عرض الحكومة الذي لم يتجاوز 9 مليار درهم، واكثر من عرض النقابات.
ففجاة، جاء الحل بكلفة تفوق 12 مليار درهم اخرجها لقجع من حيث لم يكن يحتسب حتى اخنوش.
أوامر صدرت بتسهيل الأمور لبنموسى، ووقف وضع الأحجار في طريقه.
وفي هذا النظام الأساسي، ستتم الاستجابة لمطلب ترقية أساتذة الابتدائي والاعدادي المستوفين لشروط الاقدمية الى خارج السلم، ومطالب اخرى (الفضل يعود اولا واخيرا إلى الحركة الاحتجاجية)، وبقيت ثالثة عالقة.
وبخلاف مخرجات اتفاق 26 أبريل 2011، فإن الحركة الاحتجاجية هذه المرة ستحصن المكتسبات التي حققتها (وإن لم تحقق كل مطالبها) عبر تضمينها في النظام الاساسي، وليس عبر اتفاق يمكن التراجع عنه.
بعد إقرار النظام الأساسي الجديد، سيبدأ مخطط تنزيل مشروع مدارس الريادة، مترافقا مع انتهاء زمن الاحتجاجات.
وذهب بنموسى بعد ان حقق ما جاء من اجله، وكل ما يردده برادة اليوم دون ان يفهمه ولا ان يستوعبه هو إرث فترة بنموسى: مدارس الريادة التي قادها فريق مستشاريه القادمين معه من لجنة النموذج التنموي، والنظام الأساسي الذي هو وليد مسار احتجاجي تحول إلى إشكالية امنية وسياسية كان لا بد من إيجاد حلول لها، للشروع في تنفيذ خارطة الطريق التي جاء بها مهندسو لجنة النموذج التنموي.
لا يجب ان يفهم من هذا السرد دفاع عن بنموسى، لانه اصلا تم تدبير كل هذه الملفات بتسويات وتحالفات و”تنوعير” خارج اي معايير ديموقراطية، وبنفس مخزني شعاره: لي معندو سيدو عندو لالاه.
حاشية: القول ان برادة يجيد العمل ولا يجيد الكلام، تبرير اشبه بالضحك على الذقون، واول من يضحك على هذا الكلام السخيف، هم ديناصورات الوزارة في المفتشية العامة للوزارة والكتابة العامة، والمديريات المركزية، لأنهم يعلمون ان الوزير لا “يقشع” شيئا في أمور الوزارة.
وهؤلاء هم من رافقوا كل مشاريع الفشل السابقة دون ان يتزحزحوا من مناصبهم حين يتغير وزير، او مخطط، فرحوا لمجيء برادة، ويتمنون ان يستمر او يتغير بنمذجة برادة آخر. فقد تخلصوا من هيمنة الفريق الذي جاء به بنموسى من لجنة النموذج التنموي، واستعادوا نفوذهم المطلق.
هي فوضى ، وداء العطب قديم ومقيم، ولا يمكن توقع إصلاح بأدوات فاسدة.

