بعد ما يقرب من ألفي عام من الصمت المطبق، بدأت مدينة “هيركولانيوم” الرومانية، الأخت الصغرى والمدفونة لمدينة “بومبي” الشهيرة، في كشف أسرارها المروعة والمثيرة في آن واحد، لتعيد كتابة تاريخ واحدة من أعظم الكوارث الطبيعية في العصور القديمة.
وحسب مجلة “ناشيونال جيوغرافيك”، منذ عام 1982، يقود البروفيسور “جوزيبي ماجي” فريقا من الباحثين والعمال الذين عثروا على كنز أثري وإنساني في غرف السور البحري التي كانت تُستخدم قديماً كمخازن للقوارب على شاطئ المدينة. هناك، وجد الباحثون مئات الهياكل العظمية المتراكمة، في مشهد يجسد اللحظات الأخيرة من الرعب الذي عاشه سكان المدينة أثناء ثوران بركان فيزوف عام 79 ميلادية.
على عكس مدينة بومبي، التي دفن سكانها تدريجيا تحت رماد البركان، كشفت الأبحاث التي أجراها عالم البراكين “هارالدور سيغوردسون” أن سكان هيركولانيوم واجهوا مصيرا أكثر سرعة وعنفا. فقد تعرضت المدينة لـ “انهيارات متوهجة” (تدفقات بركانية فتاتية) وهي سحب من الغازات الحارقة والحطام التي اندفعت من الجبل بسرعة الأعصار، مما أدى إلى موت السكان فوريا وتفحم أجسادهم قبل أن تدفن تحت أمتار من الطين البركاني الصلب.
ومن بين الاكتشافات الأكثر إثارة للمشاعر، حسب المجلة، عثر العلماء على هيكل عظمي لامرأة نبيلة أطلق عليها لقب “سيدة الخواتم” بسبب الخواتم الذهبية والمجوهرات الثمينة التي كانت ترتديها، وهيكل جندي روماني لا يزال يحمل سيفه وأدواته، وقارب روماني متفحم يبلغ طوله 9 أمتار، وجد مقلوبا على الشاطئ وبجانبه ما يعتقد أنه “ربان السفينة”.
كما كشفت الحفريات عن “غرفة الأهوال” التي ضمت بقايا متداخلة لرجال ونساء وأطفال، وحتى حصان، لجأوا جميعاً إلى مخازن السفن هربا من النيران، لكنهم حوصروا في فرن طبيعي حارق.
وتؤكد الدكتورة “سارة بيسيل”، عالمة الأنثروبولوجيا الفيزيائية الموفدة من قبل “ناشيونال جيوغرافيك”، أن هذه العظام تعد كنزا علميا لا يقدر بثمن. وتقول بيسيل: “من قال إن الموتى لا يتكلمون؟ هذه العظام تخبرنا الكثير عن صحة هؤلاء الناس، نظامهم الغذائي، وطبقاتهم الاجتماعية”. ونظرا لأن الرومان كانوا يحرقون موتاهم عادة، فإن هذه الهياكل العظمية توفر للعلماء فرصة نادرة لدراسة الشعب الروماني بشكل مباشر.
الاكتشافات لم تتوقف عند الشاطئ، ففي أعماق الأرض بنحو 30 مترا، يقبع مسرح هيركولانيوم الفاخر الذي اكتشف لأول مرة في القرن الثامن عشر عبر بئر محفور بالصدفة. واليوم، لا تزال آثار الحمم البركانية تحتفظ بطبعات لوجوه تماثيل سقطت أثناء الكارثة، لتشهد على أن العرض الأخير على هذا المسرح كان “تراجيديا” حقيقية.
وبينما تستمر أعمال التنقيب، يظل جبل فيزوف يلوح في الأفق كظل أزرق فوق مدينة “إركولانو” الحديثة، مذكرا العالم بأن التاريخ، ورغم مرور آلاف السنين، لا يزال قادرا على مفاجأتنا بقصص عن الحياة والموت تحت الرماد.

