بقلم: ناجي العماري
رغم ما قد يكون قائمًا من اختلاف سياسي، أو تباين في المواقف، مع رئيس دولة فلسطين السيد محمود عباس، المعروف بأبي مازن، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه كان من أوائل العرب والفلسطينيين الذين أولوا المسألة الصهيونية اهتمامًا بحثيًا وفكريًا خاصًا. لم تكن الصهيونية، في تجربته، مجرد موقف سياسي، بل موضوعًا للدراسة والتحليل والتفكيك، كما تجلى ذلك في عدد من كتاباته التي تناولت الحركة الصهيونية من زوايا تاريخية وسياسية وأيديولوجية متعددة. ولعل ما يمنح هذا الاهتمام بعده الأكاديمي أن أطروحته للدكتوراه، التي أنجزها في جامعة موسكو في أواخر سبعينيات أو أوائل ثمانينيات القرن الماضي، تناولت العلاقة بين الحركة الصهيونية والقيادة الألمانية النازية، وقد حظيت بتوصية بالنشر. من هنا لا تبدو العودة إلى كتاباته في هذا الباب عودة إلى نصوص عابرة، بل إلى جهد مبكر حاول أن يقرأ الصهيونية في بنيتها العميقة، لا في شعاراتها الظاهرة فقط. وانطلاقًا من ذلك، تأتي هذه القراءة في كتابيه «الحركة الصهيونية في أدبيات لينين» و«الصهيونية: بداية ونهاية»، لما يحمله هذان العملان من معطيات وتفسيرات دقيقة حول نشأة الحركة الصهيونية ووظيفتها وتحولاتها. إنها قراءة لا تسعى إلى استعادة الماضي لذاته، بل إلى فهم الحاضر من خلال الجذور الفكرية والسياسية التي صنعت واحدًا من أخطر مشاريع العصر الحديث.
من يحتاج إلى دولة يهودية؟
بديهة الجواب، كما تستقر في الذهن أول الأمر، تقول: اليهود. غير أن هذه البداهة، حين تُعرض على محكمة التاريخ، لا تصمد طويلًا. فالجواب الذي يبدو طبيعيًا يخفي داخله مغالطة كبرى، لأن من يحتاج إلى الدولة اليهودية ليس بالضرورة هو الإنسان اليهودي، بل القوى التي صنعت الحاجة إليها، ورسمت وظيفتها، وحددت موقعها في الجغرافيا والتاريخ.
إن من احتاج إلى دولة يهودية، كما تكشف قراءة كتابي «الصهيونية: بداية ونهاية» و«الحركة الصهيونية في أدبيات لينين» للرئيس محمود عباس، هو الاستعمار أولًا، ثم الإمبريالية التي ورثته وعمّقته. بريطانيا احتاجتها، ثم أمريكا رعتها، وقبل ذلك حلمت بها قوى أوروبية مختلفة، لا حبًا في اليهود ولا شفقة عليهم، بل بحثًا عن قاعدة متقدمة، وعن وظيفة سياسية، وعن كيان قادر على أداء دور محدد في قلب الشرق.
من هنا لا تبدو الصهيونية مجرد حركة قومية نشأت داخل الوعي اليهودي، بل مشروعًا وُلد عند تقاطع المصالح الاستعمارية مع المسألة اليهودية في أوروبا. لقد جرى تحويل معاناة اليهود في أوروبا إلى مادة سياسية قابلة للاستثمار. لم يكن السؤال: كيف نُنهي اضطهاد اليهود؟ بل كان السؤال الخفي: كيف نستخدم اضطهاد اليهود في صناعة كيان يخدم مصالحنا؟
لهذا تصبح العبارة المركزية التي يمكن أن تلخص قراءة محمود عباس للصهيونية هي: إسرائيل ليست حاجة يهودية، بل حاجة استعمارية. هذه ليست جملة سياسية فقط، بل مفتاح قراءة كامل. فحين نفهم إسرائيل بوصفها حاجة استعمارية، نخرج من سطح الحكاية إلى بنيتها العميقة. لا نعود نرى الدولة اليهودية فقط كنتيجة لحلم ديني أو قومي، بل كأداة صنعها الآخرون، ثم دفعوا اليهود إلى داخلها، كما يدفع التاريخ جماعة بشرية إلى مصير لم تصنعه وحدها.
في كتاب «الصهيونية: بداية ونهاية»، تظهر هذه الفكرة بوضوح شديد. فالمؤلف لا يتعامل مع الصهيونية بوصفها قدرًا محتومًا، بل بوصفها مشروعًا له بداية، وبالتالي يمكن أن تكون له نهاية. ليست الصهيونية حقيقة أزلية، بل تركيب سياسي حديث، نشأ من تفاعل الاستعمار الأوروبي مع المسألة اليهودية، ثم تحوّل مع الزمن إلى دولة قائمة على القوة والهجرة والاستيطان والحرب.
ومن هنا تأتي أهمية السؤال: من يحتاج إلى دولة يهودية؟ لأن الإجابة تكشف موقع الإنسان اليهودي نفسه داخل هذا المشروع. فالصهيونية ادعت أنها جاءت لإنقاذ اليهود، لكنها في العمق وضعتهم في قلب صراع تاريخي مفتوح. ادعت أنها تحررهم من الخوف، لكنها حوّلت الخوف إلى أساس للهوية. ادعت أنها تمنحهم وطنًا، لكنها جعلت هذا الوطن قائمًا على نفي وطن آخر، وعلى اقتلاع شعب آخر، وعلى تحويل الذاكرة الفلسطينية إلى جرح مفتوح.
والأكثر دلالة أن المجتمع الإسرائيلي نفسه لم يولد مجتمعًا متجانسًا. فقد قام في الأصل على مجتمعات يهودية مختلفة، أبرزها الأشكناز والسفارديم، أو الغربيون والشرقيون. غير أن هذه الاختلافات لم تُدار بوصفها تنوعًا طبيعيًا، بل ظهرت داخلها تراتبية عنصرية حادة. فقد كانت الدولة الجديدة، منذ بداياتها، مشبعة بروح تفاضلية، جعلت اليهودي الشرقي في مرتبة أدنى من اليهودي الغربي.
وقد نقل محمود عباس في كتابه ما يكشف هذه النظرة، حين أشار إلى موقف بن غوريون من اليهود الشرقيين، إذ قال إن عاداتهم هي عادات العرب، وإنه يمكن أن يخرج منهم شيء ما، لكن بعد ثلاثة أجيال على الأقل، ثم أنهى كلامه بالقول إنه غير متفائل. هنا لا نتحدث عن تفصيل اجتماعي هامشي، بل عن بنية عنصرية كامنة في قلب المشروع. فالدولة التي زعمت أنها بيت لكل اليهود، بدأت منذ لحظاتها الأولى بتصنيف اليهود أنفسهم، وبتوزيعهم داخل هرم من القيمة والامتياز.
وقد تُرجمت هذه النظرة إلى واقع مادي واضح: في الوظائف، والدخل، والسكن، والمكانة الاجتماعية. ولعل ما وقع لليهود المغاربة الذين ألقت بهم الدولة في صحراء النقب مثالٌ على أن الصهيونية لم تكن خلاصًا لليهود، بل نظامًا جديدًا لإعادة ترتيبهم وفق حاجات الدولة. فالإنسان هنا لا يُستدعى لأنه إنسان، بل لأنه مادة ديموغرافية، رقم في معادلة، وجسد يُستخدم في تثبيت الأرض وحراسة الحدود.
الصهيونية والاستعمار، صناعة الفكرة بعيدا عن ضحاياها.
في قراءة محمود عباس لتاريخ الصهيونية، لا تبدأ المسألة مع هرتزل وحده، ولا مع المؤتمر الصهيوني الأول وحده، بل قبل ذلك بكثير، في المختبرات السياسية الأوروبية التي رأت في فلسطين موقعًا مناسبًا لوظيفة استعمارية. فاللورد بالمرستون، وزير خارجية بريطانيا ثم رئيس وزرائها لاحقًا، يظهر في الكتاب بوصفه أحد العقول المبكرة التي فكرت في إعادة اليهود إلى فلسطين. وقد كتب عام 1840 رسالة إلى السفير البريطاني في إسطنبول، قال فيها إن الوقت قد اقترب لكي يعود اليهود إلى فلسطين.
وبعد أسبوع واحد من هذه الرسالة، كتبت صحيفة التايمز اللندنية أن اقتراح تأسيس دولة للشعب اليهودي في أرض أجداده، وتحت حماية الدولة العظمى، لم يعد موضوع تكهن، وإنما أصبح موضوع تفكير رسمي جاد. إن هذه العبارة وحدها تكفي لفهم طبيعة اللحظة: لم تكن المسألة أمنية دينية بريئة، بل تفكيرًا رسميًا جادًا داخل عقل الدولة الإمبراطورية.
الدلالة هنا حاسمة: بريطانيا لم تكن تبحث عن خلاص اليهود، بل عن موقعها هي. لم تكن فلسطين تُقرأ بوصفها أرضًا يعيش فيها شعب، بل بوصفها نقطة استراتيجية في شبكة المصالح. ومن هنا يتضح أن المشروع الصهيوني لم يكن منفصلًا عن المشروع الاستعماري، بل كان أحد أشكاله ووظائفه.
ولا يقتصر الأمر على بريطانيا. ففي كتاب «الحركة الصهيونية في أدبيات لينين»، يورد محمود عباس مواقف عدة دول دعمت، بدرجات مختلفة، فكرة توجيه اليهود نحو فلسطين. فقد تحدث نابليون عام 1799 عن مشروع إقامة دولة يهودية في فلسطين، وشجع زعماء الجالية اليهودية على تشجيع الهجرة إليها. ثم جاءت بريطانيا عام 1839 لتحدث أول قنصلية لدولة غربية في القدس، واضعة اليهود تحت حمايتها، في خطوة لا يمكن فصلها عن التنافس الاستعماري على الشرق.
أما الولايات المتحدة، فقد كان لقنصلها في القدس، وارد كريسون، دور مبكر في دعم تأسيس أول مستوطنة زراعية يهودية عام 1850، ثم خطط لتأسيس مستوطنات أخرى. والأكثر غرابة أنه، حين حاول الحصول على موافقة زعماء اليهود المحليين على مخططه، لم يستجيبوا له، رغم أنه تحول من المسيحية إلى اليهودية لإغرائهم بقبول فكرته. هذه الواقعة تكشف أن المشروع لم يكن دائمًا مطلبًا يهوديًا داخليًا، بل كان يُدفع من الخارج، ويُصنع حول اليهود أكثر مما يصنعه اليهود أنفسهم.
ومن هنا يصبح الحديث عن «اللوبي الصهيوني» وحده تبسيطًا مريحًا يخفي جوهر المسألة. فالموقف الأمريكي تجاه الصهيونية ليس طارئًا، ولا يحتاج دائمًا إلى تفسيره بجماعة ضغط. إنه موقف أصيل في بنية التفكير الإمبريالي الأمريكي، خاصة بعد أن ورثت الولايات المتحدة موقع بريطانيا في قيادة النظام الغربي. لقد أصبحت إسرائيل، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أكثر من حليف؛ أصبحت وظيفة استراتيجية، وامتدادًا ماديًا لمنطق السيطرة في المنطقة.
أما الدور الألماني، فيتخذ في هذه القراءة طابعًا أكثر قسوة والتباسًا. فقد امتد حتى نهاية العهد النازي، حيث عقدت ألمانيا النازية مع الحركة الصهيونية اتفاقيات لتهجير اليهود إلى فلسطين، مستعملة الترغيب والترهيب والقتل والتنكيل. وهنا يظهر أحد أكثر وجوه التاريخ رعبًا: أن الصهيونية واللاسامية، رغم تناقضهما الظاهري، يمكن أن تلتقيا في نقطة واحدة، هي إخراج اليهود من المجتمعات التي يعيشون فيها ودفعهم نحو فلسطين.
هذا لا يعني أن الصهيونية واللاسامية شيء واحد من حيث الخطاب المباشر، لكنهما تلتقيان في النتيجة. اللاسامي يقول لليهودي: أنت لست منا، ارحل. والصهيوني يقول له: أنت لست منهم، تعال. بين الطرد والاستدعاء تتشكل الدائرة نفسها. كلاهما ينكر إمكانية أن يكون اليهودي مواطنًا طبيعيًا في المجتمع الذي يعيش فيه، وكلاهما يحوّل اليهودية من دين أو انتماء ثقافي إلى قدر سياسي مغلق.
وفي روسيا القيصرية، تصبح هذه العلاقة أكثر وضوحًا. فقد عقد هرتزل محادثات مع النظام القيصري حول إمكانية التخلص من اليهود في روسيا، واستثمار ما رآه «الخزان اليهودي» الضخم هناك، ليكون نواة أساسية للاستيطان الصهيوني في فلسطين. كانت روسيا القيصرية تضطهد اليهود، لكنها لم تكن ترى في الصهيونية خطرًا عليها، لأنها كانت تساعدها عمليًا على توجيه اليهود بعيدًا عن الحركات الثورية.
و هنا نفهم لماذا كان انشغال اليهود بالأفكار الاشتراكية يزعج الحكومة القيصرية وقيادة الحركة الصهيونية معًا. فالقيصرية كانت تخاف من اليهود حين يصبحون جزءًا من الثورة، والصهيونية كانت تخاف منهم حين يصبحون جزءًا من الاشتراكية الأممية. ولذلك سعى هرتزل، بالتعاون مع القيصر، إلى مقاومة تأثير الأفكار الاشتراكية، وإبعاد اليهود عن الحركات الثورية الروسية، وتشجيع الأفكار الصهيونية بينهم.
هكذا يظهر جوهر الصراع: هل يكون اليهود مواطنين مندمجين في مجتمعاتهم، يناضلون مع الفقراء والعمال والمضطهدين من أجل المساواة؟ أم يتحولون إلى جماعة قومية منفصلة تُدفع نحو مشروع استيطاني في فلسطين؟ هذا هو السؤال الذي جعل الصهيونية تصطدم بالماركسية، وجعل لينين يرى فيها حركة رجعية لا تحرر اليهود، بل تعزلهم.
لينين والمسألة اليهودية: تحرير الإنسان ونقد القومية المغلقة.
في كتاب «الحركة الصهيونية في أدبيات لينين»، لا يظهر لينين بوصفه عدوًا لليهود، بل بوصفه عدوًا للصهيونية لأنها، في نظره، ضد مصلحة اليهود أنفسهم. وهذه نقطة مركزية يجب التوقف عندها طويلًا. فالنقد اللينيني للصهيونية لا يقوم على كراهية اليهود، بل على رفض تحويل اليهود إلى أمة منفصلة، وعلى رفض استخدام آلامهم لصناعة مشروع قومي مغلق.
لقد أعلن لينين تعاطفه مع اليهود المضطهدين والمعذبين، وطالب بإنصافهم، ودعاهم إلى الانخراط في صفوف الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي. لكنه في الوقت ذاته شن حربًا فكرية لا هوادة فيها على الحركة الصهيونية، وعلى الحركة القومية اليهودية المتمثلة في البوند، معتبرًا أن هذه الحركات لا تحل المسألة اليهودية، بل تعيد إنتاجها في شكل جديد.
كان لينين يرى أن الطريق إلى تحرير اليهود لا يكون بعزلهم، بل بدمجهم مواطنين أحرارًا متساوين في المجتمعات التي يعيشون فيها. لذلك فإن فتح أبواب الزراعة أمام العمال اليهود داخل الأراضي السوفييتية، كما يورد محمود عباس، كان مأثرة بلشفية تستهدف تمكين اليهود بوصفهم مواطنين طبيعيين، مندمجين داخل مجتمعهم، يتمتعون بكل حقوق المواطن. وهذا ما كان يلحق ضررًا فادحًا بالنظرية الصهيونية، لأنها تقوم أساسًا على القول إن اليهود لا يمكن أن يعيشوا بأمان وكرامة إلا في دولة قومية خاصة بهم.
في هذا بالضبط يكمن التعارض العميق: الاشتراكية تريد حل المسألة اليهودية عبر المساواة، والصهيونية تريد حلها عبر الانفصال. الاشتراكية تقول إن اليهودي إنسان ومواطن، والصهيونية تقول إنه عضو في قومية لا خلاص لها إلا بالخروج من المجتمعات الأخرى. الأولى تفتح الجدار، والثانية تعيد بناء الغيتو باسم الدولة.
وقد عبّر محمود عباس عن هذه الفكرة حين أشار إلى أن الاشتراكية لم تسعَ إلى تحقيق الآمال اليهودية الخالصة، إنما سعت إلى تثبيت إنسانية اليهود كمواطنين في دولة تسودها المساواة بين كل الناس. وهذا تحديدًا ما أثار حفيظة الحركة الصهيونية، لأنها رأت فيه تهديدًا لكل دعاواها ودحضًا لمفاهيمها.
وفي خلفية هذا الموقف، يستحضر محمود عباس معالجة كارل ماركس للمسألة اليهودية، حيث انطلق ماركس من منطلق مادي واقعي، مستبعدًا عامل الدين أو العرق، ومثبتًا معادلته الشهيرة: «يجب ألا نبحث عن سر اليهودي في دينه، بل لنبحث عن سر الدين في اليهودي الواقعي». إن هذه العبارة لا تسعى إلى إهانة اليهودية، بل إلى نقل النقاش من السماء إلى الأرض، من العقيدة إلى الشروط الاجتماعية، من الجوهر الديني إلى الإنسان التاريخي الواقعي.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم استمرار اليهود عبر التاريخ بوصفه نتيجة نقاء قومي مغلق، بل بوصفه نتيجة شروط تاريخية معقدة، وفي مقدمتها التشتت. ولذلك يورد الكتاب فكرة لافتة: لا يمكن القول إن اليهود استمروا على الرغم من تشتتهم، بل إنهم استمروا بسبب هذا التشتت. فلو لم يحصل الشتات بعد سقوط القدس، ولو بقي اليهود في فلسطين، فلا داعي للاعتقاد بأن مصيرهم كان سيختلف عن مصير باقي الأمم القديمة؛ ربما اختلطوا بالرومان والإغريق والمصريين وغيرهم، واعتنقوا عاداتهم وأديانهم، وانتهوا كما انتهى كثيرون غيرهم.
كان لينين، من جهته، يرى أن القيصرية الروسية استغلت المسألة اليهودية لتأليب العمال والفلاحين الجهلة ضد اليهود. فعندما كانت القيصرية تعيش أيامها الأخيرة، كانت تعمل على تحويل غضب الفقراء بعيدًا عن الملاكين والرأسماليين، وتوجيهه نحو اليهود. وهكذا يصبح اليهودي كبش فداء، لا لأنه سبب الأزمة، بل لأنه يصلح لأن يُقدَّم للجماهير بوصفه سببًا زائفًا لها.
وهذا هو جوهر السياسة الرجعية في كل زمان: أن تمنع المظلوم من رؤية ظالمه الحقيقي، وأن تقدم له مظلومًا آخر ليكرهه. بدل أن يثور العامل على الرأسمالي، يُطلب منه أن يكره اليهودي. وبدل أن يرى الفلاح بنية الاستغلال، يُدفع إلى رؤية جاره المختلف بوصفه عدوًا. هنا تتحول المسألة اليهودية إلى أداة في يد الرجعية، مثلما تحولت لاحقًا إلى أداة في يد الصهيونية.
كان لينين يتساءل عن الظروف التي تحول دون تمثل اليهود، وتحرص على استمرار عزلتهم، وإبعادهم عن مجتمعاتهم، وإحاطتهم بأسوار الغيتو العالية. وحين يتحدث عن الرجعية، فإنه لا يقصد فقط اللاساميين، بل يقصد أيضًا البرجوازيين اليهود الرجعيين الذين يرفضون التمثل، لأن استمرار العزلة يمنحهم سلطة تمثيل الجماعة والتحكم في مصيرها. لذلك كان لينين يذكر بكثير من الإعزاز أولئك اليهود الذين لم يرفضوا التمثل، بل صاروا معه وعاشوه، ووصفهم بأنهم نقشوا أسماءهم في صفحات التاريخ.
البوند، القومية اليهودية، ونهاية الوهم الصهيوني.
تبلغ المسألة ذروتها عند الحديث عن حزب البوند، أي العصبة العامة للعمال اليهود في ليتوانيا وروسيا وبولندا. فقد نشأ البوند داخل سياق الحركات الثورية الروسية، لكنه حمل معه توترًا داخليًا عميقًا: هل يكون العمال اليهود جزءًا من البروليتاريا الروسية العامة، أم يشكلون حركة قومية يهودية مستقلة؟
في مرحلة مبكرة من تاريخ الحركات الثورية الروسية، انضم مثقفون يهود إلى صفوف الحركات الشعبية الثورية، وتشكلت حلقات عمالية يهودية صغيرة، أهمها حلقة فيلنا. وقد رأى أحد قادتها، بافل أكسلرود، أنه بعد تحرير جميع العمال والفلاحين، سيتم حل المسألة اليهودية بصورة أوتوماتيكية. بناء على ذلك، قرر توظيف قواه الثورية في سبيل تحرير جميع الفقراء والمستغلين في روسيا، دون تخصيص اليهود وحدهم بالأمر.
لكن هذا التصور الأممي لم ينتصر بالكامل داخل البوند. ففي عام 1903، أعلنت البروليتاريا اليهودية تشكيل حزب سياسي مستقل، هو البوند، ما يعني عمليًا انسحاب الطبقة العاملة اليهودية من الإطار الاشتراكي الديمقراطي الروسي العام. وقد عبّر أركادي كريمر، أحد قادة البوند، عن هذا الموقف بقوله: «لا نناضل في سبيل المطالب الروسية العامة؛ فالعمال اليهود لا يعانون فقط من وضعهم كعمال، وإنما يعانون من وضعهم كيهود».
هذه العبارة تكشف مأزقًا حقيقيًا. فمن جهة، كان العمال اليهود يعانون فعلًا من اضطهاد خاص، لا يمكن تجاهله. لكن من جهة أخرى، كان تحويل هذا الاضطهاد إلى أساس قومي منفصل يهدد بتحويل النضال الطبقي إلى عزلة قومية. وهنا وقف لينين ضد البوند، لا لأنه ينكر معاناة اليهود، بل لأنه رفض أن تتحول هذه المعاناة إلى قومية مغلقة.
بعد انتساب البوند إلى الحزب العمالي الاشتراكي الروسي، رفض الحزب اعتماد موضوعة الأمة اليهودية. ومع الزمن ظهر داخل البوند اتجاهان: اتجاه رأى في الوجود المستقل للحركة العمالية اليهودية مرحلة انتقالية نحو الاندماج والمساهمة في الثقافة الروسية كجزء من البروليتاريا الروسية، واتجاه آخر رفض الاندماج، واعتبر أن البوند يشكل جزءًا من المجموعة القومية اليهودية في روسيا.
وقد انتقد لينين موقف البونديين بشدة، وكتب يخاطبهم بعد أن أعلنوا استقلالهم: «إن إعلانكم البوند حزبًا سياسيًا مستقلًا ما هو إلا صورة مصغرة عن سخافة أخطائكم الأساسية بشأن المسألة القومية». في هذا الاقتباس تتجلى حدة الموقف اللينيني. فالمسألة، عنده، ليست تنظيمية فقط، بل فكرية وتاريخية. أن تعلن حزبًا يهوديًا مستقلًا يعني، في نظره، أنك قبلت بمنطق العزل، حتى لو رفعت شعارات اشتراكية.
ولم يتمكن البوند من استقطاب جميع اليهود. فقد رفضت غالبية من البروليتاريا اليهودية أفكاره، واتجهت إلى حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. لذلك، عندما أعلن البوند انفصاله، استمر كثير من اليهود في عضوية الحزب الاشتراكي. وهذا ما يهم في قراءة محمود عباس: أن اليهود لم يكونوا كتلة واحدة، ولم يكونوا جميعًا صهاينة، ولم يقبلوا جميعًا بفكرة القومية اليهودية.
هنا تتضح ضرورة التمييز بين اليهودية والصهيونية. اليهودية دين، وتاريخ، وثقافة، وتجارب إنسانية متعددة. أما الصهيونية فهي حركة سياسية قومية عنصرية، ارتبطت بالدوائر الاستعمارية والإمبريالية، وسعت إلى تحويل اليهود إلى أمة سياسية واحدة، رغم اختلاف لغاتهم وأوطانهم وثقافاتهم. لذلك كان الخلط بين اليهودية والصهيونية يخدم الصهيونية نفسها، كما يخدم القوى الاستعمارية التي أرادت نسبة كل نجاح يهودي أو ماركسي أو ثوري إلى الصهيونية.
وقد عبّر هرتزل عن الموقف القومي الصهيوني بقوله: «إننا نشكل شعبًا واحدًا». لكن غالبية واسعة من اليهود، كما يورد محمود عباس، لم تكن ترى الأمر بهذه الطريقة. فقد قال الحاخام الأكبر هيرمان إدلر، رئيس حاخامي إنجلترا في ذلك الوقت: «لقد انتهى وجودنا القومي بعد سقوط فلسطين في أيدي الرومان، وأصبحنا مواطني هذه البلاد التي نعيش فيها. فنحن ننتمي إلى القومية البريطانية والقومية الفرنسية أو الألمانية رغم تبعيتنا للدين اليهودي، دون أن يميزنا ذلك عن المواطنين الآخرين في الحقوق والواجبات». ثم أضاف: «إن سُئلت ما هو المحتوى السياسي لليهودية، لأجبت بأن اليهودية مجرد دين ليس لها أي محتوى سياسي».
هذا الاقتباس جوهري، لأنه يأتي من داخل اليهودية نفسها، لا من خصومها. إنه يقول إن تحويل اليهودية إلى مشروع سياسي ليس ضرورة دينية، بل اختيار أيديولوجي. اليهودي يمكن أن يكون بريطانيًا أو فرنسيًا أو ألمانيًا أو عربيًا، دون أن يفقد يهوديته. أما الصهيونية فتريد أن تجعل اليهودية جنسية سياسية فوق كل الجنسيات، وهذا هو قلب الإشكال.
في هذا الإطار يورد محمود عباس أن كارل كاوتسكي، أحد أبرز المنظرين الماركسيين، قال: لم يعد اليهود أمة. كما قال البرلماني الفرنسي ألفريد ناتيك، وهو يهودي فرنسي، إنه وُلد يهوديًا، لكنه لا يعترف بالقومية اليهودية، فهو ينتمي إلى الأمة الفرنسية. ثم طرح السؤال الحاسم: هل حقًا اليهود أمة؟
إن هذا السؤال لا يخص اليهود وحدهم، بل يخص معنى الأمة ذاته. هل الأمة دين؟ هل الأمة ذاكرة؟ هل الأمة ألم مشترك؟ هل الأمة قرار سياسي؟ وإذا كانت كل جماعة دينية يمكن أن تتحول إلى أمة مستقلة، فما مصير المجتمعات؟ وما مصير المواطنة؟ وما مصير العيش المشترك؟
هنا يتضح أن نقد لينين للصهيونية لم يكن تفصيلًا في سجال روسي قديم، بل كان نقدًا مبكرًا لمنطق سياسي سيقود لاحقًا إلى كارثة كبرى في فلسطين. فحين تُعرَّف جماعة دينية بوصفها أمة سياسية منفصلة، وحين تُمنح هذه الأمة المفترضة حقًا في أرض يعيش عليها شعب آخر، فإن النتيجة لا تكون التحرر، بل الاستعمار. لا تكون نهاية الاضطهاد، بل نقله من مكان إلى آخر، ومن ضحية إلى ضحية جديدة.
وفي كتاب «الصهيونية: بداية ونهاية»، يربط محمود عباس هذا المسار بحروب إسرائيل. فإسرائيل اعتمدت منذ تأسيسها على أسلوب الحرب السهلة والسريعة، التي تعطيها نتائج أفضل وبأقل الخسائر. وكان ذلك واضحًا في حروب 1948 و1956 و1967. لكن حرب 1973 كانت صادمة للمجتمع الإسرائيلي، لأنها هزت الشعور بالأمان، وكشفت أن الدولة التي بنيت على القوة لا تستطيع أن تمنح سكانها طمأنينة حقيقية. ووفق ما يورد الكتاب، فقد بيّنت بعض الإحصائيات هجرة ما يقارب 67 ألف إسرائيلي في الفترة التي تلت الحرب حتى نهاية عام 1974، وكان معظم هؤلاء من مواليد دولة إسرائيل، أي من جيل الشباب الذي تعتمد عليه الحركة الصهيونية في بناء الدولة.
وهنا تعود فكرة البداية والنهاية. فالمشروع الذي يبدأ بالخوف لا يستطيع أن ينتهي بالأمان. والمشروع الذي يقوم على نفي شعب آخر لا يستطيع أن ينتج سلامًا داخليًا. والمشروع الذي يعد اليهود بالخلاص، ثم يضعهم في قلب الحرب الدائمة، لا بد أن يواجه في داخله سؤال الجدوى: هل كانت الدولة اليهودية خلاصًا، أم فخًا تاريخيًا؟
لذلك يختم محمود عباس في كتابه بطرح عملي: ماذا عملنا وماذا يجب أن نعمل؟ فهو يرى أن اليهود في العالم لم يستنفدوا كل الوسائل المتاحة في مقارعة الصهيونية، وأن على العرب مساندة المنظمات اليهودية المناهضة للصهيونية، وتعزيز الدعاية العربية، خاصة في الولايات المتحدة، وتحسين أحوال اليهود العرب المقيمين في الدول العربية، ودعم عودة اليهود العرب إلى بلادهم، وتقوية الحوار العربي الأوروبي.
والأهم من ذلك، أن علينا إعادة الوجه الناصع للعلاقة العربية باليهود الذين عاشوا بيننا مئات السنين، دون أن يشعروا بأي فرق أو تمييز أو اصطناع. علينا أن نعيد إلى الصهيونية شكلها الحقيقي: لا بوصفها ممثلة لليهود، بل بوصفها عدوة اليهود أيضًا. فقد أدرك كثير من اليهود الذين هاجروا إلى فلسطين بتذكرة باتجاه واحد، أنهم وقعوا في مشروع لا يغادر بسهولة، ثم هاجروا منها بتذكرة باتجاه واحد أيضًا.
وبعد مرور أكثر من نصف قرن على وفاة لينين، جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أدان الحركة الصهيونية بالعنصرية والشوفينية (القرار 3379 الصادر عام 1975)، واعتبرها شكلًا من أشكال العرقية والتمييز العرقي، كما سبق أن أدانها لينين منذ البداية. غير أن القيمة الأعمق ليست في القرار وحده، بل في الفكرة التي تربط بين الكتابين: الصهيونية ليست قدرًا، وليست يهودية، وليست خلاصًا، بل مشروع سياسي استعماري قابل للنقد والتفكيك والنهاية.
إن قراءة هذين الكتابين لمحمود عباس تكشف أن السؤال الفلسطيني ليس سؤال أرض فقط، بل سؤال معنى. ما معنى أن تُصنع دولة باسم جماعة دينية؟ ما معنى أن يتحول الاضطهاد الأوروبي لليهود إلى استعمار لفلسطين؟ ما معنى أن يُستخدم الخوف لبناء دولة، وأن تُستخدم الدولة لإدامة الخوف؟
ربما هنا تكمن أهمية هذه القراءة: أن نعيد الفصل بين اليهودي والصهيوني، بين الدين والمشروع السياسي، بين الإنسان والوظيفة الاستعمارية. فحين نخلط بين هذه المستويات، نمنح الصهيونية ما تريده بالضبط: أن تظهر كأنها اليهودية كلها. أما حين نميز، فإننا نعيد للإنسان اليهودي إنسانيته، ونكشف الصهيونية كأيديولوجيا استيطانية، ونفتح الباب أمام أفق آخر، لا يقوم على الغيتو ولا على الجدار ولا على الحرب، بل على العدالة.
فالذي يحتاج إلى دولة يهودية ليس اليهودي بالضرورة. الذي احتاجها هو الاستعمار. والذي دفع ثمنها هو الفلسطيني. والذي أُدخل في قلب خوفها هو اليهودي نفسه. وبين هذه الأطراف الثلاثة، يقف التاريخ شاهدًا لا ينام، كأنه يسألنا من جديد: هل يمكن لفكرة قامت على نفي الآخر أن تستمر إلى الأبد؟ أم أن كل مشروع يبدأ بالاقتلاع، لا بد أن يصل يومًا إلى نهايته؟

