كشف أحدث تقرير للبنك الدولي أن الاقتصاد المغربي يواصل تحقيق مؤشرات نمو قوية، مدعوما بانتعاش عدد من القطاعات والاستثمارات الكبرى، غير أنه لا يزال يواجه تحديات بنيوية، أبرزها هشاشة سوق الشغل، وتداعيات التوترات في الشرق الأوسط، وضعف تبني الشركات للتقنيات الرقمية، التي اعتبرها التقرير رافعة أساسية لتعزيز الإنتاجية مستقبلا.
وأوضح التقرير، المعنون بـ”ترسيخ النمو.. التحول الرقمي كدافع للإنتاجية”، أن الاقتصاد الوطني تمكن من مضاعفة فرص العمل المستحدثة خلال سنة 2025، إلا أن سوق الشغل ما يزال يعاني اختلالات هيكلية، إذ إن نحو 22.5 في المائة من السكان النشيطين يوجدون في وضعية بطالة أو شغل ناقص أو توقفوا عن البحث عن عمل. كما أشار إلى أن هذه الإشكالات تتفاقم في صفوف الشباب والنساء، حيث لا تتجاوز نسبة مشاركة النساء في سوق الشغل 17.5 في المائة، وهي من بين أدنى المعدلات عالميا، في ظل استمرار تحديات مرتبطة بالأجور، وظروف العمل، والنقل، ورعاية الأطفال.
وسجل التقرير أن سوق الشغل يشهد تحولات مهمة، أبرزها تراجع نسبة العاملين في القطاع الفلاحي وارتفاع التشغيل بالمناطق الحضرية، في وقت يواجه فيه الشباب الأقل تعليما نقصا في المهارات المطلوبة، بينما يصطدم حاملو الشهادات بمحدودية فرص العمل التي تتلاءم مع مؤهلاتهم.
وفي الجانب الاقتصادي، حذر البنك الدولي من انعكاسات الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد المغربي، باعتباره مستوردا صافيا للنفط، موضحا أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد ينعكسان على التضخم وكلفة الإنتاج والتوازنات المالية وآفاق النمو. كما رجح أن يسجل الاقتصاد المغربي نموا بنسبة 4.2 في المائة خلال سنة 2026، أي أقل بـ0.8 نقطة مئوية من التوقعات السابقة، مع توقع ارتفاع أسعار الأسمدة بنحو 38 في المائة، واستمرار المخاطر المرتبطة بالجفاف وتباطؤ النمو في أوروبا.
وفي المقابل، اعتبر التقرير أن التحول الرقمي يشكل فرصة استراتيجية لرفع إنتاجية الاقتصاد المغربي، رغم أن أقل من خُمس الشركات تعتمد بشكل مكثف التقنيات الرقمية المتقدمة، مثل أنظمة تدبير المؤسسات ومنصات إدارة الزبناء والتجارة الإلكترونية. وأبرز أن الشركات الأكثر رقمنة تحقق إنتاجية أعلى تصل إلى 70 في المائة، وتخلق فرص عمل أكثر بنسبة 10 في المائة، وتؤدي أجورا تفوق المتوسط بنحو 27 في المائة، مؤكدا أن تقليص الفجوة الرقمية يمكن أن يرفع الإنتاجية الإجمالية للاقتصاد الوطني بما بين 10 و15 في المائة.
ورغم هذه التحديات، أكد التقرير أن المغرب يعيش أقوى دورة نمو اقتصادي منذ أكثر من عقد، بعدما بلغ نمو الناتج الداخلي الإجمالي 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مدعوما بأداء قطاعات الزراعة والسياحة والتعدين والبناء والصناعة، والاستثمارات المرتبطة بمشاريع البنية التحتية والاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، إلى جانب استمرار انخفاض التضخم وتحسن المؤشرات المالية والخارجية للمملكة.

