الحركة الأمازيغية بعد الترسيم والاعتراف الدستوري: ما العمل؟

دخلت الحركة الأمازيغية، منذ الاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية سنة 2011، مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن المراحل السابقة. فإذا كانت معركة العقود الماضية تتمحور حول انتزاع الاعتراف بالوجود واللغة والهوية، فإن المرحلة الراهنة تفرض سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا بقي للحركة الأمازيغية أن تفعل بعد الترسيم؟

لقد اعتبر كثيرون أن الاعتراف الدستوري يمثل انتصارًا تاريخيًا للحركة، غير أن السنوات اللاحقة كشفت أن الاعتراف القانوني لا يعني بالضرورة تحقيق العدالة اللغوية والثقافية على أرض الواقع. فما زالت الأمازيغية تعاني من بطء التفعيل، وغياب الإرادة السياسية، ومعها الرؤية الاستراتيجية القادرة على تحويل الرسمية إلى ممارسة يومية داخل المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والاقتصاد.

غير أن الأزمة لا ترتبط بالدولة وحدها، بل تمتد أيضًا إلى الحركة الأمازيغية نفسها.

فقد دخلت الحركة، خلال السنوات الأخيرة، في حالة من التشتت التنظيمي، وتراجع المبادرة السياسية، وغياب المشروع الجامع. وتحولت العديد من التنظيمات إلى فضاءات تدير الاختلافات أكثر مما تنتج المبادرات، بينما انشغل جزء من النخب بصراعات جانبية، أو بخلافات شخصية وإيديولوجية، على حساب بناء ميزان قوة مجتمعي قادر على فرض استكمال مسار الترسيم.

إن النقد الذاتي أصبح اليوم ضرورة سياسية وأخلاقية. فلا يمكن لحركة ناضلت لعقود من أجل الديمقراطية أن تؤجل مراجعة أساليب عملها، أو أن تستمر في إعادة إنتاج نفس آليات القيادة ونفس أشكال التدبير التي لم تعد تستجيب لمتطلبات المرحلة.

لقد أدى غياب التداول على المسؤوليات، وضعف الديمقراطية الداخلية في بعض الإطارات، وانعدام التنسيق بين الفاعلين، إلى إضعاف القدرة التعبوية للحركة، وإلى اتساع الهوة بينها وبين الأجيال الجديدة، التي تبحث عن تنظيمات أكثر انفتاحًا ووضوحًا وجرأة.

كما أن حصر القضية الأمازيغية في بعدها الثقافي واللغوي لم يعد كافيًا. فالأمازيغية اليوم تحتاج إلى مشروع سياسي ومجتمعي ديمقراطي يربط بين العدالة اللغوية والعدالة الاجتماعية، وبين الهوية والمواطنة، وبين الحقوق الثقافية والانخراط الواعي في الصراع الاجتماعي من أجل مغرب أفضل..

إن المرحلة الحالية تفرض الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق الانخراط الميداني من أجل فرض المطالب ؛ ومن واقع التعدد المشتت إلى الوحدة الديمقراطية.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق نقاش وطني مسؤول حول تأسيس جبهة أمازيغية ديمقراطية، لا باعتبارها إطارًا بديلاً عن جميع التنظيمات القائمة، وإنما فضاءً وحدويًا يجمع مختلف الحساسيات والشخصيات والجمعيات والمناضلين حول برنامج نضالي مشترك، يحافظ على استقلالية القرار، ويؤمن بالتعددية والديمقراطية الداخلية، ويجعل من الدفاع عن الأمازيغية جزءًا من المشروع المجتمعي العام لمغرب آخر ، مغرب الكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق الإنسان للجميع .

إن هذه الجبهة المنشودة ينبغي أن تقوم على مبادئ واضحة: الاستقلالية عن كل أشكال التوظيف السياسي، والديمقراطية في اتخاذ القرار، وربط النضال الأمازيغي بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، والانفتاح على الطاقات الشبابية والنسائية والكفاءات العلمية والفكرية.

إن التاريخ يعلمنا أن الحركات الاجتماعية لا تنتصر فقط بعدالة مطالبها، وإنما أيضًا بقدرتها على تجديد أدواتها وتنظيم نفسها وتوحيد صفوفها. والحركة الأمازيغية ليست استثناءً من هذه القاعدة.

واليوم، وبعد أكثر من عقد على الاعتراف الدستوري، لم يعد الرهان هو الاحتفاء بالمكاسب الرمزية، بل بناء قوة مجتمعية ديمقراطية قادرة على فرض التنفيذ الكامل للدستور، والدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية، ضمن مغرب يتسع لجميع مكوناته دون إقصاء أو تمييز.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل الفاعلين داخل الحركة ليس: ماذا حققنا بالأمس؟ بل: كيف نبني حركة أمازيغية أكثر وحدة، وأكثر ديمقراطية، وأكثر قدرة على التأثير في المستقبل؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية مرحلة جديدة من النضال، عنوانها: الوحدة الديمقراطية من أجل استكمال التحرر الثقافي واللغوي، وترسيخ قيم المواطنة الكاملة.

طنجة 30/07/2026

محي الدين العيادي