هدى السحلي تكتب.. كلنا مسؤولون

هدى سحلي

يفترض الجميع أنه يملك الجواب، بينما لا يكاد أحد يتوقف ليفهم ما الذي يحدث فعلا. فالفهم لا يبدأ بالمواقف، بل بجمع الوقائع، والتحقق من المعطيات، ثم بناء الاستنتاجات على الحقائق لا على الانطباعات.

ندرك أن المغرب استثمر خلال العقدين الأخيرين مليارات الدراهم في الموانئ والطرق السيارة والقطار فائق السرعة والمناطق الصناعية، وحقق تقدما في مؤشرات الاقتصاد الكلي، لكننا ندرك أيضا أن هذه الإنجازات لم تُترجم بالقدر نفسه إلى شعور جماعي بالأمل.

ندرك أن معدل البطالة بلغ نحو 13%، بينما تتجاوز بطالة الشباب الحضري 35%، وأن ما يقارب 1.5 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة يوجدون خارج الدراسة أو التكوين أو الشغل. هذه ليست مجرد أرقام، بل مؤشر على اتساع دائرة من يشعرون بأنهم خارج المستقبل.

ندرك أن الجزء الفارغ من الكأس يتجاوز النصف

ثم تقع أحداث سبتة. وخلال أيام قليلة، تشير التقديرات إلى أن عشرات الآلاف حاولوا العبور، بينما أعلنت السلطات الإسبانية عن سقوط عشرات الضحايا، في واحدة من أكبر موجات الهجرة منذ أزمة 2021.

هل المسؤول هو الشاب الذي قفز إلى البحر؟ أم الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم الدولة؟ أم الأحزاب؟ أم الإعلام؟ أم صناع المحتوى الذين حولوا الهجرة إلى حلم سهل، والضفة الأخرى إلى فردوس افتراضي؟

الحقيقة أن الجميع يتحمل جزءا من المسؤولية.

الدولة مسؤولة لأنها، رغم المشاريع الكبرى، لم تنجح دائما في تقليص الفجوة بين مؤشرات التنمية وإحساس المواطن بالعدالة الاجتماعية. والأحزاب مسؤولة لأنها تخلت عن التأطير لصالح الحسابات الانتخابية، والمدرسة مسؤولة لأنها لم تعد قادرة على إنتاج الأمل بالترقي الاجتماعي، والأسرة مسؤولة حين تعجز عن احتواء أبنائها، والإعلام مسؤول عندما يبيع الإثارة بدل الوعي، ومنصات التواصل مسؤولة عندما تصنع أوهام النجاح السريع خارج الوطن.

إن مأساة سبتة ليست مجرد أزمة حدود، بل أزمة ثقة، أخطر ما فيها ليس عدد الذين سبحوا نحو الضفة الأخرى، بل عدد الذين اقتنعوا بأن البحر، بكل مخاطره، صار أكثر رحمة من انتظار مستقبل غامض في اليابسة.

لذلك، فإن البحث عن “المذنب” لن يحل شيئا، ما نحتاجه هو الاعتراف بأن ما وقع ليس فشلا أمنيا فقط، ولا اقتصاديا فقط، بل هو حصيلة اختلالات متراكمة في السياسة، والتنمية، والتربية، والثقافة، والتأطير المجتمعي.

وحين تكون الأزمة جماعية، تكون المسؤولية جماعية أيضا.

ثم تأتي هذه الصورة، حيث لسنا جميعا مسؤولون لتطرح أسئلة أكثر إزعاجا من الحدث نفسه. صورة تسائل رجل الأمن الذي وجد نفسه يحمل الحجر. إصورة تهز الأسس التي تقوم عليها دولة القانون، لأن رجل الأمن لا يمثل نفسه، بل يمثل احتكار الدولة المشروع للقوة، وهو احتكار يفترض أن يخضع للقانون والتكوين والانضباط، لا لمنطق الانفعال ورد الفعل.

كما تفتح الصورة نقاشا حول جدوى برامج التكوين في حقوق الإنسان الموجهة للأجهزة الأمنية، وحول مدى قدرتها على الصمود في لحظات الضغط الميداني، فإذا كان التكوين ينهار أمام أول احتكاك، فإن السؤال لا يتعلق بالفرد فقط، بل بالمنظومة كلها: أساليب التدخل، والإشراف، والمحاسبة، والدعم النفسي.

والأهم من ذلك، أن هذه الصورة تفرض إدخال موضوع غالبا ما يتم تجاهله في النقاش العمومي، وهو الصحة النفسية للأمنيين.

أخطر ما في هذه الصورة ليس الحجر، بل أنها تكشف أن الأزمة أزمة منظومة كاملة يصبح فيها الجميع، في لحظة واحدة، خارج الأدوار التي يفترض أن تحكمها دولة القانون.