ضحايا سبتة ومريتش/مليلية..أرقام لا تعكس حجم المأساة

بقلم الأستاذ عمر لمعلم  

 

بعيدا عن الدوافع، وعن الصراع الدائر، وعن المشاكل والخلافات بين المغرب وإسبانيا، وبعيدا عن المواقف السياسية المتباينة حول سبتة ومريتش/مليلية، هناك شيء واحد لا يمكن أن يختلف حوله اثنان، هناك مأساة إنسانية حقيقية، وهناك أناس ماتوا.

عشرات الجثامين انتشلت من البحر، وأخرى ما زالت في أعماقه، وجثامين لم يتم التعرف على أصحابها بعد، وعائلات ما زالت تنتظر معرفة مصير أبنائها.

هؤلاء يجب ألا يكونوا مجرد أرقام في إحصائيات الهجرة، ولا أدوات في الصراع السياسي، ولا أوراقا تستعملها الحكومات والأحزاب لتأكيد مواقفها. هؤلاء أناس لهم أسماء ووجوه وعائلات وأحلام، انتهت حياتهم في ظروف مأساوية، وهم يبحثون عن مخرج من واقع مزر دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم.

والأخطر أن حجم المأساة يفرض علينا أن نتجاوز سؤال، كم مات؟ إلى أسئلة أخرى أكثر إلحاحا: كيف حدث كل هذا؟ كيف وصل هذا العدد الكبير من الناس إلى البحر أو إلى السياج في وقت واحد؟ ومن كان يعلم بما يجري؟ ومن كان قادرا على منع وقوع الكارثة ولم يفعل؟

لا نملك اليوم كل الأجوبة، ولا نريد أن نستبق التحقيق، أو نحول الشكوك إلى حقائق. لكن من حق الضحايا وعائلاتهم، ومن حق الرأي العام، أن يعرف الحقيقة كاملة، وأن يعرف مصير كل شخص فقد حياته أو اختفى في هذه المآسي.

لأن الضحايا لا ينبغي أن يموتوا مرة ثانية، في صمت الأرقام والبيانات.

والمأساة التي شهدتها سبتة في يوليوز وغشت 2026 ليست حادثا معزولا. فمنذ بداية الألفية الثالثة، تكررت المآسي في منطقة العبور بين شمال المغرب وسبتة ومريتش، وسقط ضحايا، وأصيب آخرون، واختفى أشخاص، كما أصيب أفراد من قوات الأمن، وعاش آلاف الأشخاص ظروفا قاسية من الخوف والجوع والعطش والانتظار.

في الفترة الممتدة بين غشت وأكتوبر 2005، وثقت منظمة العفو الدولية مقتل 13 شخصا أثناء محاولات العبور نحو سبتة ومريتش، إضافة إلى إصابة عدد كبير بجروح خطيرة. كما أثارت المنظمة آنذاك أسئلة جدية حول استعمال القوة وفتح تحقيقات في ظروف الوفيات.

وفي 6 فبراير 2014، وقعت مأساة أخرى بسبتة، حيث توفي 15 شخصا غرقا أثناء محاولة الوصول إلى المدينة. وقد وثقت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن عناصر من الحرس المدني الإسباني أطلقوا الرصاص المطاطي من الشاطئ، كما استعملوا وسائل أخرى لتفريق العابرين. وظلت ظروف تلك المأساة ومسؤولية السلطات محل نقاش وتحقيقات قضائية وحقوقية لسنوات.

ثم جاءت مأساة مريتش في 24 يونيو 2022، وكانت من أكثر المآسي دموية على المعبرالبري. فقد خلص المجلس الوطني لحقوق الإنسان إلى وفاة 23 مهاجرا وإصابة 217 شخصا، بينهم 140 من أفراد القوات العمومية و77 من المهاجرين. وذكر المجلس أن المعطيات الطبية الأولية ربطت الوفيات بالاختناق الميكانيكي والتدافع والسقوط، مع التأكيد على أن التشريح الطبي هو الذي يسمح بتحديد السبب الدقيق لكل وفاة.

وهنا يظهر وجه آخر للمأساة غالبا ما يغيب عن النقاش، الخسائر لا تصيب المهاجرين وحدهم. ففي أحداث مريتش 2022 أصيب 140 من أفراد القوات العمومية، وفي أحداث سبتة 2026 سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان تقديم العلاج والاستشارات الطبية لـ 87 من أفراد القوات العمومية، إضافة إلى 136 إصابة بين المدنيين، أحيل 13 منهم إلى المؤسسات الاستشفائية. كما وثق المجلس حالات عنف وأضرارا طالت ممتلكات خاصة وعامة وإحراق سيارات.

ثم جاءت مأساة 30 و31 يوليوز 2026، بحجم غير مسبوق.

فقد دخل إلى سبتة عشرات الآلاف من الأشخاص خلال فترة قصيرة، وتختلف التقديرات بشأن العدد الإجمالي للعابرين، لكنها تجاوزت 70 ألفا بحسب معطيات إسبانية لاحقة. وأدت هذه الموجة إلى ضغط استثنائي على مدينة يبلغ عدد سكانها نحو 83 ألف نسمة، وعلى مرافقها الصحية والاجتماعية والأمنية.

أما عدد الضحايا، فما زال يعرف تفاوتا بين المصادر.

فقد ارتفع عدد الجثامين التي انتشلتها السلطات في سبتة إلى 82 جثمانا، ولم يكن قد تم التعرف، إلى حدود 14 غشت، إلا على ستة منها، ثلاثة بواسطة البصمات وثلاثة بواسطة تحليل الحمض النووي. وقد شكل العدد الكبير من الجثامين ضغطا استثنائيا على مصالح الطب الشرعي، التي عملت على أخذ العينات وحفظ المعطيات اللازمة للتعرف عليهم مستقبلا.

أما منظمة Caminando Fronteras فقد قدرت عدد الوفيات في الفترة الأولى من المأساة بـ 141 شخصا، بينهم 78 جثمانا في الجانب الإسباني و63 في الجانب المغربي. وهذه حصيلة حقوقية مستقلة وليست رقما رسميا، ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرا للضحايا، لا حصيلة نهائية محسومة.

وفي الجانب المغربي، أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان لاحقا عن معطيات تخص الإصابات والتدخلات الطبية، بينما تظل الحصيلة الكاملة للوفيات والمفقودين مرتبطة باستمرار عمليات البحث والتعرف.

وخلف كل رقم إنسان. شخص له اسم، وعائلة تنتظر، وأم أو أب أو أخ أو زوجة لا تعرف ربما إلى اليوم أين انتهت حياة قريبها.

لكن الموت ليس الوجه الوحيد لهذه المأساة، فهناك الجرحى، وهناك من سقطوا أو أصيبوا أثناء محاولات العبور، وهناك من عاشوا أياما في ظروف قاسية، دون مأوى مناسب، وفي حاجة إلى الماء والغذاء والرعاية الصحية.

وقد بلغت الأزمة داخل سبتة درجة دفعت الحكومة الإسبانية إلى إنشاء مرافق استقبال مؤقتة، وتخصيص 6.5 ملايين يورو للاستجابة الطارئة، مع توفير آلاف الوجبات والمساعدات الصحية. وفي 20 غشت، بدأت السلطات نقل أشخاص من الشواطئ والمناطق المفتوحة إلى مراكز استقبال مؤقتة بطاقة تصل إلى 1800 شخص.

كما تعرض النشاط التجاري داخل سبتة لاضطراب كبير، فأغلقت محلات ومطاعم ومرافق خلال ذروة الأزمة، وتعطلت الحركة التجارية والخدماتية. لكننا لا نملك، إلى حدود الآن، حصيلة مالية رسمية شاملة تسمح بتحديد قيمة الخسائر الاقتصادية الإجمالية، ولذلك لا ينبغي اختراع رقم أو تقديم تقدير غير موثق باعتباره حقيقة.

وهناك أيضا الأطفال والقاصرون الذين وجدوا أنفسهم وسط هذه الأزمة.

فقد أعلنت الشرطة الإسبانية أنها تعرفت، منذ 30 يوليوز، على 2168 قاصرا غير مصحوب في سبتة. وقد أدى هذا العدد إلى تجاوز قدرة منظومة حماية الطفولة المحلية بكثير، وفتح نقاشا قانونيا وإنسانيا حول مستقبل هؤلاء الأطفال ومصيرهم.

أما القاصرات والنساء، فقد ظهرت إلى جانب معاناتهن مخاطر أخرى. فمنذ بداية الأزمة سجلت، بحسب معطيات نقلتها رويترز، 15 بلاغا عن اعتداءات جنسية، معظمها يتعلق بقاصرين، فيما تلقت خمس نساء على الأقل رعاية طبية مرتبطة بالعنف الجنسي. وتظل هذه الملفات موضوع تحقيقات، ولذلك لا ينبغي تحويل البلاغات إلى أحكام نهائية قبل انتهاء المساطر القضائية.

وهكذا، فإن مأساة سبتة ومريتش لا تقاس فقط بعدد من ماتوا.

هناك من مات، ومن فقد، ومن أصيب، ومن بقي بلا مأوى، ومن عاش الجوع والعطش والخوف، ومن تعرض للعنف، ومن وجد نفسه وحيدا في مدينة لا يعرفها، وهناك أسر ما زالت تبحث عن أبنائها.

وهناك أيضا كلفة مادية وإنسانية وأمنية تتحملها المنطقة بأكملها، في المغرب وسبتة ومريتش، كلما تحولت المعابر إلى مسرح لموجة جديدة من العبور الجماعي.

ولهذا فإن السؤال الذي يبقى مفتوحا ليس فقط، كم شخصا مات؟

بل أيضا:

كم شخصا ما زال مفقودا؟

كم عائلة ما زالت تنتظر خبرا؟

كم شخصا أصيب ولم يعد كما كان؟

كم طفل وجد نفسه فجأة وحيدا؟

كم امرأة أو فتاة تعرضت للعنف أو الاستغلال؟

وكم من الموارد البشرية والمادية تستنزفها هذه المآسي المتكررة؟

والسؤال الأهم:

لماذا تتكرر هذه المآسي في المنطقة نفسها منذ أكثر من عقدين، دون أن نصل إلى معالجة تمنع تكرارها؟

لا نملك كل الأجوبة، ولا ينبغي أن نحول الأسئلة إلى اتهامات قبل اكتمال التحقيقات. لكن من حق الضحايا علينا أن نطرحها، ومن حق عائلاتهم أن تعرف الحقيقة، ومن حق الرأي العام أن يعرف ما الذي يحدث في هذه المنطقة التي تحولت، مرة بعد أخرى، إلى مسرح لمآس إنسانية لا يبدو أن أرقامها تعكس حجمها الحقيقي.

رحم الله الضحايا، وحفظ كرامة الموتى، وحق عائلاتهم في معرفة مصير أبنائها.