محمد السكتاوي..الأشجار تموت واقفة

منذ الساعات الأولى من صباح اليوم السبت، وعبارات العزاء تنسدل على حوائط نشطاء الحركة الحقوقية بالمغرب، معزية في رحيل قامة من قامات حقوق الإنسان في البلاد، وهو الحقوقي البارز محمد السكتاوي المدير العام لفرع المغرب لمنظمة العفو الدولية.

رحل السكتاوي عن عمر ناهز 73 سنة، بإحدى مصحات العاصمة الرباط، إثر مضاعفات وعكة صحية ألمت به أخيرا.

رحل السكتاوي بعد 5 عقود من النضال الحقوقي، الذي دفع في سبيله ضريبة غالية من حريته ومن مستقبله المهني.

في السابع من مارس عام 1952، رأى السكتاوي النور بمدينة القصر الكبير، وهي واحدة من المدن المغربية التي أنجبت الكثير من المناضلين السياسيين والحقوقيين.

قضى المراحل الأولى من دراسته في هذه المدينة حتى نال شهادة الباكلوريا، لينتقل بعدها إلى العاصمة الرباط التي درس فيها الفلسفة ثم القانون.

السكتاوي السياسي 

انخرط السكتاوي مبكرا في العمل السياسي، وهو ينتمي إلى الجيل الثاني بعد جيل الحركة الوطنية، حيث التحق بحزب القوات الشعبية، الذي ناضل في صفوفه، وكان من الذين اختلفوا مع قيادة الحزب زمن عبد الرحيم بوعبيد، بالخصوص حول الموقف من الديمقراطية والانتخابات.

وبعد الصراع الذي احتدم في الحزب، بين القيادة ومجموعة أحمد بنجلون وعبد الرحمان بنعمر، والمعروف بصراع 8 ماي، انسحب السكتاوي الذي لم يسجل عليه أنه دعم بشكل مباشر طرف ضد آخر.

وفي الوقت الذي اختار بنجلون وبنعمر تأسيس تجربة حزبية جديدة تمثلت في حزب الطليعة، اختار السكتاوي تطليق العمل الحزبي تنظيميا.

وفي خضم ذلك كان السكتاوي نشطا على المستوى النقابي، إذ كان من المساهمين الأوائل في تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وأصبح أحد قادتها وبالخصوص في الأجهزة التنظيمية للنقابة الوطنية للتعليم.

أدى نشاطه النقابي وحضوره في الاضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية في 20 يونيو 1981، إلى اعتقاله أول مرة، حيث حوكم عليه بسنة حبسا نافذة إلى جانب قيادات أخرى مثل الراحلين نوبير الأموي وعبد المجيد بوزبع.

بعد خروجه من السجن وجد السكتاوي نفسه بدون عمل بعد طرده من عمله كأستاذ، لكن ذلك لم ينل من عزيمته ومن نضاله، بل كان حافزا على إغناء مساره الحقوقي.

السكتاوي الحقوقي

يعد محمد السكتاوي من مؤسسي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عام 1979، حيث تحمل المسؤولية في الأجهزة التنظيمية للجمعية قبل وبعد اعتقاله.

كما كان من المؤسسين لجريدة التضامن لسان حال الجمعية، وبعد إجهاز الدولة على هذه الأخيرة في العام 1983، توج هذا التضييق باعتقال السكتاوي للمرة الثانية في يناير 1984 رفقة مناضلين آخرين كعمر الزايدي و علي فقير وآخرين.

بعد تجربة السجن الثانية التي كانت قاسية على السكتاوي، حاول العديد من رفاقه ايقاد شمعة الجمعية من جديد وتنظيم مؤتمرها، وخلال هذه المحاولات دبت الخلافات بين الرفاق، قبل أن ينسحب مجموعة منهم وبالخصوص المحسوبين على الاتحاد الاشتراكي ومنظمة العمل، لتأسيس تجربة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان.

فيما اختار آخرون من المستقلين و على رأسهم الرئيس السابق للجمعية محمد الحيحي، و مناضلين من اليسار الراديكالي و حزب الطليعة، الاستمرار في تجربة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، أما محمد السكتاوي اختار الانخراط في تأسيس تجربة أخرى، بحكم العلاقات الممتازة التي جمعته بجميع الأطراف.

أسس السكتاوي تجربة منظمة العفو الدولية التي بدأها رئيسا للجنتها في المغرب ثم رئيسا لفرعها وكاتبا عاما ومتفرغا.

وكانت هذه التجربة فريدة من نوعها، إذ يعتبر فرع المغرب في خريطة فروع المنظمة في العالم من أنشط الفروع، بل يعتبر رائدا في منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

استطاع السكتاوي برزانته وهدوئه ونضاله أن يجمع حول هذا الفرع شخصيات من اجتهادات ومشارب مختلف في المغرب.

ومما يسجل لصالح فرع المنظمة في المغرب أنه كان دائم الحضور في كل المحطات التي انتهكت فيها حقوق الإنسان مغربيا وجهويا وعالميا، بل انتصب في كل المحطات مدافعا على حقوق الإنسان من حقوق المرأة والطفل إلى حقوق المواطن بشكل عام.

محمد السكتاوي شاعرا وفلسطينيا

لا يمكن أن يكون هناك نشاط فلسطيني، حقوقي أو تضامني بدون وجود محمد السكتاوي.

ناضل الرجل من أجل فلسطين على الصعيد الحقوقي وأيضا على الصعيد الأدبي، اذ كان كاتبا رزينا وشاعرا إلى جانب قصائده الكثيرة حول القضايا الانسانية و الاجتماعية، كان لفلسطين حيز كبير في هذه الكتابات، كما كان لها حيز في نضالاته الحقوقية.